قال الإمام مسلم - رحمه الله - في كتاب الطهارة، باب وجوب الطهارة للصلاة 3/102 (شرح النووي) .
1 -حدثنا سعيد بن منصور وقتيبة بن سعيد وأبو كامل الجحدري، واللفظ لسعيد، قالوا: حدثنا أبو عوانة عن سماك بن حرب، عن مصعب بن سعد قال: دخل عبد الله بن عمر على ابن عامر يعوده، وهو مريض، فقال:"ألا تدعو الله لي يا ابن عمر"؟ قال:"إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"لا تقبل صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول"وكنتَ على البصرة".
2 -حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار قال: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة ح وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا حسين بن علي، عن زائدة قال أبو بكر ووكيع عن إسرائيل كلهم عن سماك بن حرب بهذا الإسناد عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله.
3 -حدثنا محمد بن رافع، حدثنا عبد الرزاق بن همَّام حدثنا معمر بن راشد، عن همام بن منبه أخي وهب بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر أحاديث منها، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا تقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ".
يقول الأستاذ: في صدر الباب قال الإمام مسلم - رحمه الله: حدثنا سعيد بن منصور وقتيبة بن سعيد وأبو كامل الجحدري. . . (إلى آخر ما نقلته من الصحيح) ثم ساق من طريقين مدارهما على سماك، ثم أخرجه من حديث أبي هريرة من طريق محمد بن رافع حدثنا عبد الرزاق. . . عن أبي هريرة مرفوعًا، وهذا الإسناد من الدرجة الأولى، وأخرجه البخاري في الوضوء. . . اهـ.
أقول: إن الإمام الترمذي يقول في سننه:"حديث ابن عمر أصح في الباب وأحسن، وحديث أبي هريرة حسن صحيح غريب"هذا هو الفرق الواضح بين الدراسة العلمية النزيهة وبين الدراسة السطحية، وفي قول الترمذي إشارة علمية دقيقة إلى الميزة العلمية الإسنادية التي جعلت حديث ابن عمر أصح في الباب وأحسن، ألا وهي الشهرة في حديث ابن عمر والغرابة في حديث أبي هريرة.
وتلك التي تتبلور عند الموازنة بينهما، إذ أن ما رواه ابن عمر اشتهر عن طريق سماك بن حرب، فقد رواه عن سماك أبو عوانة وشعبة وزائدة وإسرائيل وغيرهم من الكوفيين وغيرهم.
أما حديث أبي هريرة فهي صحيفة معروفة، تفرد بها عن أبي هريرة همام بن منبه، وتفرد بروايتها عنه معمر، وتفرد عنه عبد الرزاق ثم اشتهر عنه الحديث، وهذا ما قاله الترمذي:"حديث أبي هريرة حسن صحيح غريب"ولا يختلف اثنان أن الحديث الذي اشتهر برواية الأئمة المعروفين أولى من غيره.
اتفاق الشيخين على رواية الحديث الغريب لا يخرجه من غرابته، ومن هنا قالوا: إن الحديث الذي انفرد بن أحد الشيخين ربما يكون أصح وأحسن من المتفق عليه لأمور علمية منها التواتر، والشهرة كما سبق.
والذي ينظر إلى ظاهر الإسناد يتصور أن حديث أبي هريرة المتفق عليه هو الأصح، ولهذا اعترض على الإمام الترمذي كل من المباركفوري والشيخ أحمد شاكر - رحمهما الله تعالى -.
فقد الإمام مسلم حديث ابن عمر، وصدر به الباب لأنه مشهور، وأخر حديث أبي هريرة لكونه غريبًا، وهو الترتيب العلمي الذي ميز صحيح مسلم عن صحيح البخاري. وسماك بن حرب الذي دار عليه حديث ابن عمر ثقة من رجال الطبقة الأولى، ولم يضره اختلاطه لأن روايته قبل الاختلاط معروفة فقد سمع منه قبل الاختلاط شعبة وسفيان وأمثالهما، وقد تكلم فيه بعض الأئمة نظرًا لما رواه بعد الاختلاط، راجع ترجمته في كتب التراجم.
هذا وقد أورد مسلم حديث ابن عمر من عدة طرق، مراعيًا فيها الترتيب العلمي، فقد حديث أبي عوانة عن سماك على غيره لعلوه، حيث قرب مسلم من سماك براويين، بينما في الثاني بثلاثة رواة. والله أعلم.