يقول الإمام النووي - رحمه الله - معلقًا على ما قاله القاضي عياض مما سبق نقله بتمامه:"وهذا الذي اختاره ظاهر جدًا"، ثم أكده بقوله الرائع:
"ومن حقق نظره في صحيح مسلم - رحمه الله - واطلع على ما أودعه في أسانيده وترتيبه وحسن سياقته وبديع طريقته من نفائس التحقيق وجواهر التدقيق وأنواع الورع والاحتياط والتحري في الرواية وتلخيص طرقه واختصارها وضبط متفرقها وانتشارها وكثرة اطلاعه واتساع روايته وغير ذلك مما فيه من المحاسن والأعجوبات واللطائف الظاهرات والخفيات علم أنه أمام لا يلحقه من بعد عصره، وقل من يساويه، بل يدانيه من أهل وقته ودهره، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم" (1) .
فهكذا يقول الإمام النووي قولًا رائعًا وبليغًا واضحًا يعكس فيه واقع صحيح مسلم بصورته الحقيقية، وهو قول أقره العلماء الذين جاؤوا من بعده إذ أن فيهم من نقله، وفيهم من اختصره في كتبهم.
ويضيف الإمام النووي قائلًا:
"ومن ذلك احتياطه في تلخيص الطرق وتحول الأسانيد مع إيجاز العبارة وكمال حسنها، ومن ذلك حسن ترتيبه وترصيفه الأحاديث على نسق يقتضيه تحقيقه وكمال معرفته بمواقع الخطاب ودقائق العلم وأصول القواعد وخفيات علم الأسانيد ومراتب الرواة وغير ذلك" (2) .
ولم يكتف النووي - رحمه الله - بتقرير المسألة نظريًا، بل كان واقعيًا في بعض المواضع من شرحه، إذ قال النووي في حديث تتبعه الدارقطني:
"وذكر مسلم في الباب اختلاف طرق هذا الحديث، فرواه أولًا من رواية الأكثرين عن الأعمش، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، ثم رواه عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي يحيى مولى آل جعدة، عن أبي هريرة. ولهذه العلة لم يذكر البخاري حديث أبي معاوية، ولا خرجه من طريقه، بل خرجه من طريق آخر، وعلى كل حال فالمتن صحيح لا مطعن فيه"اهـ بتصرف (3) ،
وقال أيضًا:
"فهذه الرواية مرسلة والأولى متصلة لأن أولاد سعد تابعون، وإنما ذكر مسلم هذه الرواية المختلفة في وصله وإرساله ليبين اختلاف الرواة في ذلك" (4) .
ثم استدرك قائلًا:
"ولا يقدح هذا الخلاف في صحة هذه الرواية ولا في صحة أصل الحديث، لأن أصل الحديث ثابت من طرق من غير جهة حميد من أولاد سعد، وثبت وصله عنهم في بعض الطرق التي ذكرها مسلم، وقد قدمنا في أول هذا الشرح أن الحديث إذا روي متصلًا ومرسلًا فالصحيح الذي عليه المحققون أنه محكوم باتصاله لأنها زيادة ثقة، وقد عرض الدارقطني بتضعيف هذه الرواية، وقد سبق الجواب عن اعتراضه الآن وفي مواضع نحو هذا" (5) .
يعني أن المتن صحيح، وقد أخرجه مسلم أولًا بأسانيد نظيفة خالية عن الاختلاف، قصد اعتماده عليها، ثم أورده من طريق حميد بن عبد الرحمن المعلول، مبينًا الاختلاف الذي وقع بين رواته في الإرسال والوصل.
والأمر واضح جدًا أن الإمام النووي صرح بأن الإمام مسلمًا أورد هذه الطرق المعلولة في صحيحه ليبين الاختلاف في الوصل والإرسال، ولم يوردها للاعتماد عليها، بل كان قد اعتمد على الحديث الذي ساقه بأسانيد صحيحة في صدر الباب، وإن كان الإمام النووي قد أجاب الدارقطني عن انتقاده لها مستندًا إلى القاعدة المعروفة عند الفقهاء والأصوليين، ألا وهي قبول زيادة الثقة فإنه - رحمه الله - قد أقر بأن الإمام مسلمًا قد يذكر الأحاديث المعلولة ليبين علتها.
وقال أيضًا:
"وهذا الذي ذكره الإمام الدارقطني من استدراكه هذا على مسلم فاسد؛ لأن مسلمًا - رحمه الله - قد بين اختلاف الرواة في وصله وإرساله، ومذهبه ومذهب الفقهاء والأصوليين ومحققي المحدثين أن الحديث إذا روي متصلًا ومرسلًا حكم بالاتصال، وجب العمل به لأنها زيادة ثقة، وهي مقبولة عند الجماهير فلا يصح استدراك الدارقطني والله أعلم" (6) .
قلت: إن قضية قبول الزيادة من الثقة ليست على إطلاقها عند المحدثين، فإنهم يعتمدون على القرائن، ويقبلون ما دلت عليه القرائن.
يقول الحافظ ابن رجب في شرح العلل ص: 246 - 247:
"وليس ذلك - يعني قبول زيادة الثقة - قول مسلم ولا قول أئمة الحفاظ".
ويقول الحافظ ابن حجر في الفتح 12/312:
"والتحقيق أن الشيخين ليس لهما في تقديم الوصل عمل مطرد بل هو دائر مع القرائن مهما ترجح بها اعتمداه".
ومن تتبع كتاب التمييز للإمام مسلم يفهم ذلك بوضوح.
وقال الإمام النووي أيضًا في باب مواقيت الحج 8/81:
"ذكر مسلم في الباب ثلاثة أحاديث، حديث ابن عباس أكملها لأنه صرح فيه بنقله المواقيت الأربعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلهذا ذكره مسلم في أول الباب، ثم حديث ابن عمر لأنه لم يحفظ ميقات أهل اليمن، بل بلغه بلاغًا، ثم حديث جابر لأن أبا الزبير قال:"أحسب جابرًا رفعه"، وهذا لا يقتضي ثبوته مرفوعًا".
انظر كيف يحقق الإمام النووي قضية الترتيب في صحيح مسلم من خلال تحليله صنيع الإمام مسلم في تلك الأحاديث، فبذلك ظهر لنا جليًا أن الإمام النووي أيضًا يقر بأن مسلمًا يشرح العلة في مواضعها من الصحيح، وأنه يرتب الأحاديث حسب القوة والسلامة وحسب الخصائص الإسنادية والحديثية، كما أقر بها القاضي عياض، وابن الصلاح سابقًا، رحمهم الله جميعًا.
(1) شرح مسلم للنووي 1/23 .
(2) شرح مسلم 1/23 .
(3) المصدر نفسه 14/26 .
(4) المصدر نفسه 11/81 .
(5) شرح مسلم للنووي 11/81 .
(6) المصدر نفسه 10/43 .