فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 57

لقد صدر في عام 1408 هـ عن مكتبة الدار بالمدينة المنورة كتاب تحت عنوان (( منهج الإمام مسلم في ترتيب كتابه الصحيح ودحض شبهات حوله ) )لأحد أساتذة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة .

ويحمل هذا الكتاب في طيّاته ردودًا منفعلة ضمن سلسلة حوار تحريري دار بيني وبينه حول بعض أهم القضايا الإسنادية وأدقها وأغمضها ، لقد بدأ الحوار من نقطة علمية بسيطة تتمثل في حديث ورد عن عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ في فضيلة الصلاة في المسجد النبوي ـ على صاحبه أزكى الصلاة والتسليم ـ .

وذلك حين أوقفته على أخطاء علمية فادحة وقعت منه أثناء دراسته لهذا الحديث ، في رسالته للماجستير ، التي طبعت بالهند بعنوان (( بين الإمامين مسلم والدارقطني ) )والتي وصفها بنفسه بأنها مناقشة علمية قائمة على الحجج القوية ، وحظيت بالتقدير والاحترام في الأوساط العلمية ( ؟ ) .

ذلك أن الأستاذ همّ بدراسة هذا الحديث ضمن مجموعة من الأحاديث من صحيح مسلم المعلولة من قبل الإمام الدارقطني أحد أئمة الحديث و النقد ، لنيل درجة التخصص الأولى ـ الماجستير ـ في قسم الكتاب والسنة ، بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية ، بجامعة الملك عبد العزيز بمكة المكرمة سابقًا .

وبعد قضاء الليالي والأيام في دراسة الحديث وتخريجة وترجمة رواته توصل الأستاذ إلى نتيجة تُرضي العقلاء ! ـ على حدّ تعبيره ـ من تصحيح ذلك الحديث المعلول ، مخالفًا فيه لجمع من الأئمة النقدة الذين أعلوه .

تلك هي النتيجة التي كان الأستاذ معجبًا بها ، إذ قال في نقده الأول ص: 58: (( ولو درس أبو حاتم وغيره من الأئمة حتى البخاري دراسة وافية لما تجاوزا في نظري النتائج التي وصلتُ إليها ، لأنني بحمد الله طبّقتُ قواعد المحدثين بكل دقّة ، ولم آل في ذلك جهدًا ) ).

ولما قلتُ له: (( هذا كلامٌ مرفوض وخطير ) )قال: (( نعم أنا قلتُ هذا وهو منطق إسلامي به أخذ المسلمون وأعطوا وقبلوا وردوا ) ) [ منهج الإمام مسلم ص 134 ] .

وأثناء تحضيري لرسالة الدكتوراه في قسم الكتاب والسنة بجامعة أم القرى بمكة المكرمة عام 1407 هـ مَرّ بي هذا الحديث عن ابن عمر ، وصادفتني رسالته للماجستير (( بين الإمامين ) )وطالعت فيه ما بحثه حول هذا الحديث المعلول ونتائجه التي توصّل إليها قصد وقوفي على أمور قد تساعدني على معرفة الأمر الذي الواقع الذي من أجله أعله جكع من النقاد .

فإذا هو يتجرأ على مخافة الأئمة ، وتخطئتهم فيه ، دون أن يكون بيده دليل ترد به آراؤهم ردًا موضوعيًا ومنهجيًا بل جُل ما لديه من الأدلة على النحو التالي:

إنه لم يقف على الأمور الغامضة التي من أجلها أعلوه .

وإن الإمام مسلمًا أورد في صحيحة هذا الحديث .

وإن ظاهر الإسناد سليم .

واستوقفني أسلوبه في الدراسة ، وسطحيته في النظر ، فدفعني لتتبع الموضوع بدقة ، فتبين لي جليًا ـ بفضل الله تعالى ـ أن الأئمة إنما أعلوه لوجود علة في إسناده ، وتتسم هي بغاية من الدقة ، ثم سجلتُ ذلك في وُريقات على أسلوب علمي وبتواضع ، إذ أنني لم أصرح فيها بتخطئته بشكل يثير الإنفعال ، ثم بعثتها له قبل أن يطلع عليه أحد من أساتذتي وزملائي سوى زميلي وأخي الشيخ سيف الرحمن مصطفى ـ رحمه الله تعالى وأدخله في فسيح جنانه ـ .

وأوضحت فيها أن الأستاذ لم يكن لديه أي دليل يبرر مخالفته للأئمة النقدة في تصحيح ذلك الحديث الذي أعله النقاد ، أضف إلى ذلك أن ذكر الإمام مسلم لم يكن فيه دليل قطعي على صحة الحديث عنده ، ذلك أنه رسم في صحيحه منهجًا علميًا رائعًا كما بينه مفصلًا في مقدمته ، من ترتيب الأحاديث حسب القوة والسلامة ومن شرح العلل في بعض المواضع منه حسب المناسبة ، وقد ذكر مسلم حديث ابن عمر في آخر الباب بعد أن اعتمد على حديث أبي هريرة في فضل الصلاة في المسجد النبوي بتقديمه من مقدمة الباب ، و الذي لم يختلف في صحته أحد من النقاد .

فمنهج الإمام مسلم في صحيحه كافٍ لفهم مدى إدراكه العلة التي تكمن في حديث ابن عمر ، كما أدركها الجهابذة في مختلف العصور ، لأن هذا الترتيب يدل على أن حديث ابن عمر دون حديث أبي هريرة في السلامة والقوة عند الإمام مسلم ، وأنه بيان ما فيه من علة بذكر وجوه الاختلاف فيه .

إلا أن الأستاذ لم يرض ذلك مني ، بل تسبب لانفجار غضبه وغيضه وإشعال نار الثورة في أعصابه ، فواجهني بأساليب لا تليق إلا بمن أخذته العزة بالإثم فتطور الحوار ، فجائت رسالته (( منهج الإمام مسلم في ترتيب كتابه الصحيح ودحض شبهات حوله ) )ردًا ثانيًا منفعلًا سارع إلى طبعه ونشره لغرض أراده ، فالله يحاسبه عليه ويجازيه حسب نيته .

يؤسفني أن أقول إن الأستاذ لم يكن موضوعيًا ، ولا متبعا ً منهجًا علميًا واضحًا متأثرًا من بداية الرسالة إلى آخرها ، فقد ظهر من خلالها رجلًا غاضبًا متأثرًا بغيظه بحيث لا يشعر بخطورة ما يتناثر من قلمه من تلفيق بين نصوصي وتأويلها بما يحلو له من المعاني الغربية التي لم أقصدها وتقوّله على بما لم أقله ، يقذفني بوابل من التهم الخطيرة التي أنا برئ منها جميعها ويصب علىَّ جام غضبه .

وعجبًا لأستاذ مشارك ورئيس شعبة السنة بالدراسات العليا بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة لا يكون موضوعيًا في نقده ، وقد وقف القارئ فيما سبق على نوعية أسلوبه في مواجهة نقده لأئمة من أسلافنا البررة ، والمحرمين لدى الأئمة فكيف يكون أسلوبه حين يواجه طالبًا وافدًا يدرس في (( عقر داره ) )ونبه على خطئه العلمي الفادح ! .

ولقد حاول الأستاذ في رسالته (( منهج الإمام مسلم ) )أن يهيئ لنفسه جوًا ملائمًا لانكار أمر واقع صرح به الإمام في مقدمته للصحيح ، وطبقه في تضاعيف كتابه بصورة واضحة ، من ترتيب الأحاديث حسب القوة والسلامة ومن بيان العلل وشرحها في بعض المواضع من الكتاب حسب المناسبة تبعًا كما هي العادة عند كثير من الأئمة المحدثين في مصنفاتهم ، ثم أقره الأئمة ممن شرحوا له وغيرهم .

فقد أورد الأستاذ فيها عشرين مثالًا من أحاديث صحيح مسلم التي تربوا على العشرة آلاف حديث ، ودرسها دراسة سطحية على عجل ، بعيدًا عن منهج المحدثين وقواعدهم ، مكتفيًا من النظر قي أحوال رواة الحديث بما في (( التقريب ) )، فأوقع نفسه في عديد من الأخطاء والأوهام .

ذلك أنه تداخل عليه راوٍ فيقول عن ثقة ، هذا راوٍ ضعيف قدم الإمام مسلم حديثه ، وهذا ثقة أخّر مسلم حديثه ، فأين الترتيب المزعوم ؟

وتراه يأتي بأحاديث من وسط الباب أو من آخره مع جملة من الأحاديث من أول الباب الذي يليه ، ثم يقول: (( هذه مجموعة من الأحاديث لم يراع فيها مسلم الترتيب ، فأين الترتيب المزعوم ) )؟ .

ونراه يخلط بين أبواب مختلفة ويجعلها بابًا واحدًا ، ثم يقول هذه أحاديث لم يرتبها فأين الترتيب ؟ ونراه أيضًا يخلط بين مناهج المحدثين ، فيجعل منهج الحافظ بن حجر في التقريب من تقسيم الرواة حسب الجرح والتعديل معيارًا وحيدًا لمعرفة مراتبهم جرحًا وتعديلًا عند الإمام مسلم في صحيحه ، ـ ومعلوم أن الحافظ بن حجر لم يكن يعتمد فيه على مذهب الإمام مسلم ـ ويقول: هذا راوٍ قال فيه الحافظ: (( صدوق ) )قدم مسلم حديثه ، وهذا راوٍ قال فيه الحفظ: (( ثقة ) )أخّر حديثه ، فأين الترتيب ؟

وما إلى ذلك من الأمور العجيبة الغريبة ، وقفنا عليها أثناء مباحثنا الإسنادية في المحور الثالث لدراسة الأحاديث التي تعلق بها الأستاذ ليبرر إنكار ذلك المنهج العلمي الفيد الذي أعلن عنه الإمام مسلم في مقدمته وطبقته في تضاعيف كتابه الصحيح .

وسعى الشيخ فيها سعيًا حثيثًا لإيجاد فُرَص تتيح له إهدار عرضي دون أي خجل ول ورع ، من خلال تصرفاته المُدهشة ، لعب بها في نصوصي بالتلفيق بينها ، ثم بالتأويل بما لم يخطر ببالي ، ثم بالتقول عليَّ بما لم أقله زورًا وبهتانًا .

فمثلًا أنه ينسب إليَّ دعوى أن الإمام مسلم التزم بيان العلل في صحيحه وأن شرح العلل هو بتقديم الأحاديث وتأخيرها ، وأن كل حديث يُذكر في آخر الباب من الصحيح معلول ، وهذه أمور لم أقلها أبدًا ، ولم أتصورها يومًا ، بل كان الأستاذ الفاضل يكرر ذلك في مواضع كثيرة من الرسالة ليقذفني بوابل من التهم ، ويصبَّ علي َّ غضبه ، ويثير الشكوك في ديني وعقيدتي ليخفي وراءه ما وقع فيه من الأخطاء العلمية الفادحة ، ويستجلب إليه عواطف القراء ويبقى الأستاذ عندهم رجلًا فاضلًا محققًا مدققًا ، ومحترمًا لا يُخطئ ولا يغفل .

ومن هنا تهيأ الجو لأن يقول: (( وإن مقتضى هذه الدعوة ـ يعني بيان العلل بالتقديم والتأخير ـ أن ما ساقه مسلم في أول كل باب فهو صحيح وأن ما أخّره ولو جاء من طرق فهو مُعلّ بحيث لا يصلح في المتابعات وما هذا الباب إلى مثالًا لتطبيق هذه القاعدة ، فناقشته في أمر لا يُطاق ، فأي مسلم يعرف مكانة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يهون عليه أن يرى من يقعد من لا يدري أو يدري لنسف ثاني أصح الكتب بعد كتاب الله بحيث لا يستثني هذه القاعدة إلا في الأحاديث الأوائل ، كما يحاول قذف قنبلة هيروشيما على مدينة من أرقى المدن ، ويقول في هدوء ورفق لا تخافوا من تدمير هذه القنبلة ، فإنها سوف تبقى في كل بيت وأسرة أوائلها وأقوى وأصح أفرادها ثم يصرّ على قذفها ، واجهت هذا الإتجاه الخطير بصبر ، وناقشته في هذه القاعدة التي يدعي جهلًا على أحسن أحواله ... ) ).

ويقول أيضًا: (( قد يقول قائل شددت على هذا المسكين الضعيف ، فأقول: إن الخطب جلل ، فما رأيت أحدًا من خصوم السنة يقعد لنسف كتاب عظيم ترتيبه الثاني في طليعة دواوين الإسلام مثله ، وأتمثل بقول الشاعر:

ولا تحقرنّ كيد الضعيف فربما تموتُ الأفاعي من سموم العقاربِ

فقد هدّ قدما عرش بلقيس هدهد وخرّب فار قبل ذا سدّ مأرب

ولقد وجدتُ آثار عقارب وفئران شاركت في بناية المتهاوي الذي حطَمَتْه بفضل الله معاول الحق والصدق ، ولقد رد الله كيده في نحره ، ألا ترى حماية الله لهذا الكتاب العظيم أو المدينة الراقية التي عاش هذا المسكين كالفأرة الملساء فتسلق جدرانها وطاف بقصورها الشامخة ، وتسلل من تحت أبوابها وصعد وهبط وشرق وغرب ، فوجدها كلها ثابتة القواعد شامخة الجدران محكمة البنيان ، فلم يجد فيها أي ثغرة ، وتحطمت مخالبه وأسنانه ، فلم يستطع بحمد الله أن يأتي بلبنة واحدة من لبنات تلك المدينة الزاهية الفولاذية اللبنات ، ولو حاول طول عمره وساندته الفئران والعقارب فلن يستطيعوا أن يبرهنوا على تلك القاعدة الباطلة المخترعة من الهوى )) .

هكذا نجد الأستاذ ورئيس شعبة السنة بالدراسات العليا بالجامعة الإسلامية بالمدينة النورة يرسل عنان لسانه ، ويطول سنان قلمه في إهدار عرض أخ مسلم برئ كل البراءة مما قاله من التهم والأهواء إلى حدّ أنه لم يستح من هتك عرض الأساتذة بجامعة أم القرى الذين كنت أراجعهم في مجال البحث العلمي .

سامحك الله أيها الأستاذ ، وأين أنت من قوله تعالى:

(( والذين يُؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانًا وإثمًا مبينًا ) ) [ الأحزاب: 58 ] .

ومن قول النبي صلى الله عليه وسلم:

(( المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره ) ).

ومن قوله صلى الله عليه وسلم:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت