فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 57

الشيخ مقبل بن هادي:

وأخيرًا في عصرنا فضيلة الدكتور مقبل بن هادي - حفظه الله - يقول في مواضع كثيرة من تحقيقه لكتاب الإمام الدارقطني (الإلزامات والتتبع) ما يفيد اعتقاده بأن الإمام مسلمًا يبين العلة في صحيحه، ومن أقواله قوله في ص: 351 الطبعة الثانية:

"والذي يظهر أن مسلمًا - رحمه الله - ما ذكره إلا ليبين علته"،

ومنها قوله في ص: 366:

"والظاهر أن مسلمًا أخرجه ليبين علته لأنه قد ذكره"،

وكذا في ص: 145:

"فذكرها مسلم ليبين علتها كما قال القاضي عياض، وأقره النووي وهو الأقرب"،

وفي ص: 147:

"لعل مسلمًا - رحمه الله تعالى - أخرجه ليبين علته كما وعد بذلك في المقدمة"،

وهكذا في مواضع أخرى من الكتاب.

وكذلك الأستاذ المؤلف اتجه نحوه في رسالته (بين الإمامين) فأجاب على الوجه الذي رأيناه عند الشيخ مقبل عن استدراكات الدارقطني في مواضع كثيرة من رسالته، تبلغ حوالي 22 موضعًا:

منها ص: 286: يقول فيها:

"وهذا انتقاد في محله فإن مقصود مسلم بإخراجه التنبيه على هذا الاختلاف، وهذا دأبه في كتابه، فهو يسير على منهج معين وخطة واضحة التزمها في مقدمته".

ويقول في ص: 287:

"ولم يخرجه مسلم في نظري إلا ليبين ما فيه من علة".

وفي ص: 531:

"أورده لبيان هذا الاختلاف، ولينبه على ما في إسناد يونس من علة كما وعد بمثل هذا في مقدمته، وصرح هنا بالتنبيه فعلًا كما رأيت".

وفي ص: 532:

"وليس على مسلم أي مؤاخذة في رواية هذا الحديث لأنه بين الاختلاف صراحة والراجح لديه رواية مالك ومعمر".

ويقول أيضًا في ص: 608:

"وهذا لم يفت الإمام مسلمًا فقد نبه على الاختلاف موفيًا بذلك شرطه الذي التزمه من التنبيه على الخلاف وشرح العلل".

وفي ص: 502:

"والذي يظهر لي من صنيع مسلم في سياقه طرق حديث أنس أنه لم يذكر هذه الجملة الزائدة في حديث طلحة بن يحيى. . . إلا ليبين علتها، وليفت النظر إلى مخالفتها لأصحاب يونس الحفاظ"، وأعاده قائلًا:

"فالظاهر - والله أعلم - أن مسلمًا لا يريد من وراء كل هذا التصرف إلا التنبيه على ما في هذه الزيادة من علة".

ثم أعاده أيضًا في ص: 507:

"أما مسلم فلا مؤاخذة عليه في إيرادها في صحيحه لأن تصرفه يوحي بأنه لم يوردها إلا لينبه على مخالفتها لرواية الحفاظ من أصحاب يونس، والزهري، وليلفت النظر إلى هذه العلة".

وهكذا كان الأستاذ يقرر منهج الإمام مسلم في بيان العلل، مستمدًا مما صرح به الإمام مسلم في المقدمه، وكن يعتقد أن العلة التي بينها مسلم في الصحيح هي في معناها المعروف عند المحدثين، إذ أنه كان يناقش الإمام الدارقطني في تتبعه لأحاديث مسلم المعلولة، حتى إن الأستاذ كان يثني على القاضي عياض الذي حرر منهج الإمام مسلم في بيان العلة وشرحها في مواضع من الصحيح حين قال الأستاذ في ص: 394 من رسالته (بين الإمامين) :

"وما ذكره القاضي عياض - رحمه الله - من أن مسلمًا أدخل هذه الروايات ليبين الخلاف فيها وأنها وشبهه من العلل التي وعد مسلم بذكرها في مواضعها قول سديد وربط بين منهج مسلم الذي التزمه وبين عمله في الصحيح".

غير أن الأستاذ تراجع عن هذا كله في رسالته الجديدة - منهج الإمام مسلم في ترتيب كتابه الصحيح ودحض شبهات حوله - ونفض يديه عن آثاره ولا أدري أمكرهًا فعل ذلك أم طائعًا؟ ولكن يمكن للقارىء أن يفهم شيئًا من الحقيقة من شرح المناسبة التي دفعته إلى التراجع عن رأيه.

وكان عليه أن يظهر التراجع علنًا نظرًا لأهمية الموضوع الذي ينتهي به البحث والدراسة في أماكن كثيرة من رسالته التي يفتخر بها والتي حظيت بالتقدير والاحترام في الأوساط العلمية - على حد تعبيره - والتي تحصل من خلال إعدادها على درجة الماجستير من جامعة أم القرى، حتى يبتعد أصحابه عن خطورة اعتقاد ذلك المنهج في صحيح مسلم، كما نصحني بالابتعاد عنه لبالغ لطفه؟

ولا تعجب حين تسمع الأستاذ الذي أثنى على القاضي قبل فترة من الزمن يتحداه اليوم ويقول في ص: 6:

"ولا يستطيع القاضي عياض ولا غيره أن يأتي بحجة واضحة صريحة من صحيح مسلم على تطبيق هذا الشرك الذي زعمه القاضي عياض".

أما عن المناسبة التي تراجع فيها الأستاذ فجأة عن رأيه الذي كان عليه زمنًا طويلًا، فهي أنني بعثت له نقدًا علميًا حررت فيه أمورًا تقنع المنصفين بإصابة الأئمة - البخاري والنسائي والدارقطني وغيرهم - في تعليل حديث ابن عمر في فضيلة الصلاة في المسجد النبوي، وخطأ الأستاذ في معارضته لهم فيه، ووهمه في تصحيح ذلك الحديث لكون الإمام مسلم قد أورده في الصحيح.

وفي ضمن ما كتبته له أن الإمام مسلمًا وضع في كتابه منهجًا علميًا إذ يذكر فيه الأحاديث على ترتيب علمي، ويقدم في صدر الباب أصح الأحاديث وأسلمها ثم يذكر ما دونه سلامة وصحة، وأنه يبين أحيانًا العلة في مواضعها المناسبة من الصحيح.

وإذا نظرنا إلى ما أورده مسلم في موضوع فضل الصلاة في المسجد النبوي من أحاديث أبي هريرة وابن عمر وميمونة، بهذا الاعتبار نفهم أن أصح الأحاديث عنده في هذا الموضوع هو حديث أبي هريرة لأنه ذكره في صدر الباب، وأن حديث ابن عمر وميمونة دونه لأنه أوردهما في آخر الباب.

فبما أن حديث ابن عمر معلول أراد الإمام مسلم بيانه بذكر جميع وجوه الاختلاف خارج الأصل والموضوع، وبه تحققت الموافقة بين الإمام مسلم وغيره من جهابذة النقاد، فمنهجه أوضح دليل على إدراكه لهذا الاختلاف والعلة في حديث ابن عمر كما أدركها غيره من الناقدين.

فلما قرأ الأستاذ الفاضل ذلك النقد الذي كتبته له متخلقًا بأدب واحترام أصابه غضب شديد، وما قبله مني، والله وحده يعلم سر ذلك، وليس أمامه للخروج من هذا المأزق العلمي الذي أقلقه، إلا إنكار منهج الإمام مسلم في ترتيب الأحاديث بحسب القوة والسلامة، وشرح العلل وبيانها، إذ أنه لو يقبل هذا المنهج الذي صرح به الإمام مسلم للزمه القبول بأن حديث أبي هريرة أصح وأسلم في هذا الباب، وأن حديث ابن عمر دونه، وهو مما يناقض اعتقاده بأن حديث ابن عمر هو الأصح من حديث أبي هريرة.

وكتبت له أنك كنت تحقق منهج الإمام مسلم في شرح العلل وبيانها في صحيحه، في رسالتك - بين الإمامين - وذكرت فيه أمثلة كثيرة فأجاب بما يلي:"رابعًا: قد صرحت بتراجعي عن هذا الفهم، وكل ما يهمني أن أكون صادقًا في هذا التراجع مخلصًا فيه لله، ولي سلف صالح في الرجوع عن الخطأ إلى الحق من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرهم من أئمة الإسلام. . .".

فهذه هي المناسبة التي تراجع فيها الأستاذ، وعسى أن يكون القارىء قد فهم حقيقة تراجعه عنه هل كان مكرهًا أم طائعًا.

فمن خلال قراءتنا لآراء العلماء السابقة تأكد لنا صحة ما قاله القاضي عياض - رحمه الله -"وقد فاوضت في تأويلي هذا ورأيي فيه من يفهم هذا الباب، فما وجدت منصفًا إلا صوبه، وبان له ما ذكرت وهو ظاهر لمن تأمل الكتاب وطالع مجموع الأبواب".

فإننا لم نسمع عن أحد من العلماء الذي جاءوا بعد القاضي عياض، ونقلوا عنه ذلك التأويل في كتبهم إلا قد وافقوه عليه أو أقروا له به، وليس فيهم من سجل الاعتراض عليه. ولا مبرر للأستاذ في الرجوع عن رأيه الأول، اللهم إلا الهوى والركون إلى حظ النفس.

فمنهج الإمام مسلم في ترتيب الأحاديث بحسب القوة والسلامة وفي شرح العلل وبيانها على سبيل التتبع لا أصالة، أمر واقع أقره العلماء كما وضعه الإمام مسلم كمنهج في كتابه، ولله الحمد، وهو الموفق.

ولبيان ذلك نشرع في المحور الثالث الذي خصصناه لدراسة الأمثلة التي ذكرها الأستاذ مستدلًا بها لإنكار المنهج، دراسة علمية تبرز من خلالها الأمور العلمية واللطائف الإسنادية التي راعاها الإمام مسلم في ترتيب الأحاديث في صحيحه.

يلاحظ أن الأستاذ حصر تلك الأمثلة في أربعة أنواع:

النوع الأول: مثل له بأبواب افتتحها مسلم بأحاديث رجال الطبقة الثانية وختمها بأحاديث رجال الطبقة الأولى - حسب زعمه - وجملتها اثنا عشر مثالًا.

والنوع الثاني: لأبواب روى فيها مسلم الأحاديث يوافق فيها البخاري، ويزعم أنها غير مرتبة، وجملتها خمسة أمثلة.

والنوع الثالث:لأبواب يزعم الأستاذ أن مسلمًا افتتحها بأحاديث الطبقة الأولى وختمها بأحاديث كذلك متفق عليها دون ترتيبها، وجملتها ثلاثة أمثلة.

والنوع الرابع: لأبواب صدرها مسلم بإسناد أعله غيره، ذكر فيه مثالين:

وها نحن ندرسها في المحور الآتي دراسة مفصلة وعلمية، والله ولي التوفيق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت