وبعد فراغه من عرض هذه الأمثلة ذكر أمثلة أخرى لأبواب افتتحت بأسانيد من الطبقة الأولى وختمت بأسانيد كذلك متفق عليها ليوهم القارىء بأن مسلمًا لم يهتم بترتيب الأحاديث بحسب القوة والسلامة، ولم يبذل فيه أبي جهد، بل اهتم بذكر الأحاديث الصحيحة فقط، فقال ما يلي:
"أولًا: كتاب الحيض، باب جواز نوم الجنب واستحباب الوضوء له، افتتح مسلم هذا الباب بحديث عائشة - رضي الله عنها - رقم 305، إسناده رجاله من الطبقة الأولى، وعطف عليه بإسنادين كذلك ثم أورده من حديث ابن عمر رقم 306 بالأسانيد التالية:"
"فقال: وحدثني محمد بن أبي بكر المُقدَّمي وزهير بن حرب قالا: حدثنا يحيى - وهو ابن سعيد - عن عبيد الله ح وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وابن نمير، واللفظ لهما، قال ابن نمير: حدثنا أبي، وقال أبو بكر: حدثنا أبو أسامة، قال: حدثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر أن عمر قال:"يا رسول الله أيرقد أحدنا وهو جنب"؟ قال:"نعم، إذا توضأ"."
"وحدثنا محمد بن رافع، حدثنا عبد الرزاق، عن ابن جريج أخبرني نافع، عن ابن عمر مرفوعًا، وحدثني يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، وهذه الأسانيد من الطبقة الأولى، والحديث متفق عليه أخرجه البخاري من طريق قتيبة عن الليث، عن نافع به، حديث 283، ومن طريق جويرية، عن نافع به رقم 285، ومن طريق مالك، عن نافع به رقم 286، وهذه الإحالات على طبعة البخاري نشر دار القلم".
"ثم أورد حديثًا عن أبي سعيد من ثلاث طرق، مدارها على عاصم الأحول، عن أبي المتوكل الناجي، عن أبي سعيد الخدري بلفظ:"إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ"، ورجاله من الطبقة الأولى".
ثم أخرجه عن أنس بإسناد من الدرجة الثانية بلفظ:"إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطوف على نسائه بغسل واحد".
"لكن الحديث متفق عليه، أخرجه البخاري في مواضع، منها في الغسل، باب إذا جامع ثم عاد، وفي باب الجنب يخرج ويمشي في السوق، وغيره من طريق قتادة عن أنس".
"وبهذا التصرف يعرف مدى التزام مسلم بالصحة، وأنه لا دخل للترتيب والحسابات والتقديم والتأخير فهذا الحديث جاء في آخر الباب أي أن ترتيبه الثالث عشر في كتاب مسلم، ولكنه في واقع أمره متفق عليه، ويسبق الحديث الأول إلى الدرجة الأولى أو يزاحمه إن كان الأول من المتفق عليه". انتهى.
قلت: إن المتأمل في هذه الأحاديث يتبين له أنها في ثلاث موضوعات مختلفة:
الموضوع الأول: استحباب الوضوء للجنب إذا أراد النوم أو الأكل.
والثاني: جواز النوم قبل الغسل والغسل بعد النوم"."
والثالث: استحباب الوضوء لمن أراد أن يعود إلى الجماع.
كما صنع الإمام أبو داود في سننه، حيث إنه وضع العنوان لحديث ابن عمر"باب في الجنب ينام"، ووضع لحديث عائشة الذي صدر به الإمام مسلم به الباب هنا"باب من قال يتوضأ الجنب"، ووضع لحديث أبي سعيد"باب الوضوء لمن أراد أن يعود"، ووضع لحديث عائشة الأخير"باب يؤخر الجنب الغسل".
وكذا الإمام البخاري لما أورد هذه الأحاديث في صحيحه وضع لكل منها عناوين خاصة، فعنون لحديث ابن عمر"باب نوم الجنب"ولحديث عائشة"باب كَيْنونَةِ الجنب في البيت إذا توضأ قبل أن يغتسل"ثم أعاد حديث عائشة وابن عمر من طريق آخر تحت باب"الجنب يتوضأ ثم ينام".
هذا وقد عنون النووي أثناء شرحه لهذه المجموعة من الأحاديث:"استحباب الوضوء للجنب إذا أراد أن يأكل أو ينام أو يجامع" (1) ، مضمنًا ثلاث موضوعات.
بناء على ما سبق فالأحاديث في الموضوع الأول هي عن عائشة،
وفي الموضوع الثاني عن ابن عمر وعائشة،
وفي الموضوع الثالث عن أبي سعيد وأنس.
أما أحاديث الموضوع الأول فمرتبة بتقديم حديث الزهري عن أبي سلمة، عن عائشة، على حديث إبراهيم، عن الأسود عنها لعُلوه إذ أن الرواة فيه خمسة، وفي الثاني سبعة.
وأحاديث الموضوع الثاني فرتبها بحسب الخصائص الإسنادية،
ذلك أن الإمام مسلمًا قدم حديث ابن عمر على حديث عائشة لأنه أشهر حديث في هذا الموضوع ولهذا قال الإمام الترمذي في سننه (1/207) :
"حديث ابن عمر أحسن شيء في هذا الباب وأصح"واشار إلى أحاديث الباب بقوله:"وفي الباب عن عمار، وعائشة وجابر وأبي سعيد وأم سلمة".
ومن الجدير بالذكر أن المراد بحديث عائشة الذي أشار إليه الترمذي هنا هو ما روي عن طريق معاوية بن صالح، كما في صحيح مسلم، وعن طريق غضيف بن الحارث عنها، كما في سنن البيهقي، ذلك لأن حديث عائشة الذي رواه الأسود عنها أورده الترمذي قبل هذا الباب مباشرة في باب"الجنب ينام قبل أن يغتسل".
كما أنه لم يقصد بحديث أبي سعيد الحديث الذي جاء من طريق أبي المتوكل عن أبي سعيد مرفوعًا"إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ"لأنه لا صلة له بالباب الذي ذكره الترمذي، بل أراد به حديث أبي سعيد الذي جاء عن طريق عبد الله بن خَبَّاب عنه"أنه كان تصيبه الجناية بالليل فيريد أن ينام فأمره صلى الله عليه وسلم أن يتوضأ ثم ينام"كما عند ابن ماجه في باب"من قال لا ينام الجنب حتى يتوضأ وضوءه للصلاة" (1/193) . والله أعلم.
وأما حديث عائشة الذي أورده مسلم من طريق معاوية بن صالح لم يشتهر كشهرة حديث ابن عمر، ثم إن معاوية الذي دارت عليه الطرق دون رواة الأول في الضبط والإتقان.
ورتب مسلم الروايات عن ابن عمر إذ قدم رواية نافع عن ابن عمر على رواية عبد الله بن دينار عنه لكونها أشهر، فقد روى عن نافع عبيد الله وابن جريج وغيرهما، وأما رواية عبد الله بن دينار فلم تعرف إلا عن طريق مالك كما يظهر من خلال التخريج، على أن نافعًا أجلُّ من ابن دينار.
ورتب ايضًا الروايات عن نافع حين قدم رواية عبيد الله عنه على رواية ابن جريج لأنها أشهر مع أن عبيد الله أجل من ابن جريج بالنسبة إلى أحاديث نافع.
وأما الروايات عن معاوية بن صالح، عن عبد الله بن أبي قيس، عن عائشة فقد رتبها أيضًا إذ قدم رواية الليث عنه على رواية عبد الرحمن بن مهدي وعبد الله بن وهب لأن الليث أقدم منهما فيعتبر حديثه عاليًا. والله أعلم.
وأما الموضوع الثالث فأحاديثه مرتبة ترتيبًا علميًا إذ قدم فيه حديث أبي سعيد على حديث أنس لشهرته، فقد اشتهر عن عاصم عن أبي المتوكل عن أبي سعيد، برواية حفص بن غياث وابن أبي زائدة ومروان بن معاوية الفزاري.
أما حديث أنس الذي أورده مسلم من طريق هشام بن زيد عنه فلم يشتهر، ولم يخرجه البخاري، وإنما اشتهر عن أنس ما رواه قتادة عنه، كما عند البخاري بلفظ:"كان النبي صلى الله عليه وسلم يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار وهن إحدى عشرة. . ."ولم يرد فيه شيء عن الوضوء أو الغسل.
وأما لفظ أنس الذي عند مسلم من طريق هشام بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطوف على نسائه بغسل واحد.
وبه اتضح جليًا أن قول الأستاذ:"وأنه لا دخل للترتيب والحسابات والتقديم والتأخير، فهذا الحديث جاء في آخر الباب أي أن ترتيبه الثالث عشر في كتاب مسلم، ولكنه في واقع أمره متفق عليه، ويسبق الحديث الأول إلى الدرجة الأولى، أو يزاحمه إن كان الأول من المتفق عليه"مما أرسله الأستاذ جزافًا، وحديث أنس الذي أورده مسلم لم يخرجه البخاري، وهو موضوع آخر ولا صلة له بموضوع حديث عائشة الذي أورده مسلم عن طريق الزهري عن أبي سلمة وهو حديث أخرجه البخاري عن طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة عنها.
(1) شرح النووي 3/215/217 .