لما فرغ الأستاذ من عرض الأمثلة لأبواب قدم فيها مسلم أحاديث الطبقة الثانية، على أحاديث الطبقة الأولى - حسب زعمه - بدأ بذكر أمثلة أخرى لأبواب ذكر فيها أحاديث كلها متفق عليها، زاعمًا به على أن الإمام مسلمًا لم يهتم بترتيب الأحاديث الأصح فالأصح، فقال:
"أمثلة لأبواب متفق عليها":
"أولًا: كتاب الطهارة، باب حكم بول الطفل الرضيع (1؟237 - 238) افتتح مسلم هذا الباب بحديث عائشة 1، 2، 3، أخرجه من ثلاث طرق مدارها على هشام بن عروة، عن أبيه، وكلها من الطبقة الأولى".
4، 5، 6 - ثم أخرجه من حديث أم قيس بنت محصن من طريقين رجالهما من الطبقة الأولى، مدارهما على الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن أم قيس، والثالثة فيها حرملة بن يحيى من الطبقة الثانية، والحديثان - أعني حديث عائشة وأم قيس - متفق عليهما، أخرجه البخاري حديث عائشة في أربعة مواضع. . . وأخرج حديث أم قيس في الباب نفسه رقم 221"."
قلت: ذكر الإمام مسلم في موضوع حكم بول الطفل الرضيع، حديث عائشة - والحديث في شرح النووي 3/193 - 194 - من ثلاث طرق تدور على هشام بن عروة، وحديث أم قيس من ثلاث طرق أيضًا، تدور على الإمام الزهري، وهما مدنيان، ومن هنا يقال: هذا حديث مدني.
فقدم مسلم حديث عائشة على حديث أم قيس لأمور علمية إسنادية تتضح جليًا عند الموازنة بينهما، ذلك أن حديث عائشة اشتهر عن هشام بن عروة الذي دار عليه حديث عائشة برواية الكوفيين، مثل عبد الله بن نمير وجرير وعيسى بن يونس، ثم اشتهر عنهم داخل الكوفة وخارجها، وسمعه الإمام مسلم من شيوخه الكوفيين وغيرهم بالعلو، إذ كان بين مسلم وهشام بن عروة راويان، ولهذا قدم الإمام مسلم حديث عائشة وصدر به الباب.
أما حديث أم قيس فقد اشتهر عن الإمام الزهري الذي دار عليه هذا الحديث برواية المصريين، كالإمام الليث ويونس، وبرواية المكي كسفيان بن عيينة، لكن حديث المصريين اشتهر داخل مصر، وحديث سفيان بن عيينة المكي اشتهر خارج مكة، مثل زهير بن حرب وعمرو الناقد وأبي بكر بن أبي شيبة ويحيى بن يحيى، وليس فيهم مكي.
ولا شك أن الحديث الذي سمعه مسلم من بلد الراوي وخارجه بالعلو أولى بالتقديم من غيره.
أما طرق حديث هشام الثلاث فهي مرتبة ترتيبًا علميًا بتقديم طريق عبد الله بن نمير، على طريق جرير وعيسى بن يونس، لأن حديثه عرف في بلده، بل عرف خارجه فأصبح الإسناد مدنيًا ثم كوفيًا ثم بغداديًا، وكذا طريق عيسى بن يونس فإسناده مدني ثم كوفي ثم مروزي.
وكذلك رتب الإمام مسلم طرق حديث أم قيس، إذ قدم طريق الليث لأنه عرف حديثه في بلده، وسمعه مسلم من شيوخه المصريين بالعلو فالإسناد مدني ثم مصري، وحديث ابن عيينة الذي ثنى به لم يروه مسلم هنا عن أحد من شيوخه المكيين، بل رواه عن الكوفيين بالعلو، فالإسناد مدني ثم مكي ثم كوفي، وأما حديث يونس الذي ختم به الباب فهو نازل إذ أن الرواة بينه وبين الإمام الزهري ثلاثة، والله أعلم.