فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 57

قال الإمام مسلم - رحمه الله: (1)

1 -حدثني أبو كُريب محمد بن العلاء الهمداني، حدثنا خالد - يعني ابن مَخْلَد - عن محمد بن جعفر، حدثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت:"كان ابن أم مكتوم يُؤذِّن لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أعمى".

2 -وحدثنا محمد بن سلمة المرادي، حدثنا عبد الله بن وهب، عن يحيى بن عبد الله، وسعيد بن عبد الرحمن، عن هشام بهذا الإسناد مثله.

يقول الأستاذ:"افتتح مسلم هذا الباب بحديث عائشة - رضي الله عنها - وفي إسناده خالد بن مَخْلَد القَطَواني، صدوق يتشيع فهو من رجال الطبقة الثانية، ثم أتبعه بإسناد آخر فيه اثنان من الطبقة الثانية، وهما يحيى بن عبد الله بن سالم المدني صدوق، وسعيد بن عبد الرحمن الجمحي صدوق له أوهام. وقد قرن بينهما مسلم - رحمه الله - فالإسنادان يشد بعضهما بعضًا ويرتفعان بالحديث إلى درجة الصحة فيكون صحيحًا لغيره، وهو مثال لأبواب يكون كل رجالها من الطبقة الثانية".

أقول: إن الإمام مسلمًا ذكر هنا حديثًا صحيحًا عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة من رواية محمد بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري، ويحيى بن عبد الله وسعيد بن عبد الرحمن عنه، مقدمًا رواية محمد بن جعفر بن أبي كثير، متبعًا لها برواية يحيى بن عبد الله ورواية سعيد بن عبد الرحمن.

فإذا وازنت بين هؤلاء الثلاثة وجدت محمد بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري أوثق من يحيى بن عبد الله وسعيد بن عبد الرحمن، فقد وثق محمد بن جعفر كل من ابن معين وابن حبان والعجلي، وقال النسائي:"صالح ومستقيم الحديث"، وقال ابن المديني:"معروف"، واعتمد عليه الشيخان واحتجا به في الأصول فهو من الطبقة الأولى.

وأما يحيى بن عبد الله فهو ابن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي المدني، قال فيه النسائي:"مستقيم الحديث"، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال:"ربما أغرب"، وعن ابن معين:"صدوق ضعيف الحديث"، وقال الدارقطني:"ثقة حدث بمصر ولم يرو له البخاري".

وسعيد بن عبد الرحمن الجُمَحي المدني قال فيه أحمد في رواية صالح:"ليس به بأس وحديثه مقارب"، وعن ابن معين:"ثقة"، وقال يعقوب بن سفيان:"لين الحديث"، قال أبو حاتم:"صالح"، وقال النسائي:"لا بأس به"، قال ابن عدي:"له غرائب حِسان، وأرجو أنها مستقيمة، وإنما يَهِمُ في الشيء بعد الشيء فيرفع موقوفًا ويصل مرسلًا لا عن تعمد"، هذا وقد وثقه ابن نمير وموسى بن هارون والعجلي والحاكم غير أن ابن حبان بالغ في أمره فقال:"يروي عن عبد الله بن عمر وغيره من الثقات أشياء موضوعة يتخايل إلى من سمعها أنه كان المعتمد لها"، ولم يحتج به الإمام البخاري في صحيحه.

ومهما يكن من أمر فإن سعيد بن عبد الرحمن إذا تفرد بشيء يتوقف فيه، وأما إذا شاركه غيره في حديثه ووافقه فلا حرج في تصحيح حديثه والاعتماد عليه، وفي رأي ابن عدي أن ما تفرد به يعتبر حسنًا إلا إذا خالفه غيره، وفي رأي ابن حبان فيعتبر منكرًا.

فبهذه الموازنة بين هؤلاء الثلاثة عرفنا أن محمد بن جعفر بن أبي كثير أوثق بالنسبة إلى الآخرين، فأصبح حديثه الذي صدر به الباب أحسن ما أورده فيه وأصح.

ثم إن الراوي عن محمد بن جعفر - هو خالد بن عبد الرحمن القَطَواني - غالب رواياته عن المدنيين، وإن اعتبر بعضهم ما تفرد به منكرًا فإن الشيخين اعتمدا عليه، حتى إن البخاري قد احتج بما تفرد به في صحيحه مثل حديث"من عادى لي وليًا. . ."الحديث، فلا يبعد أن يكون في الطبقة الأولى حسب تقسيم الإمام مسلم للرواة، وعلى التسليم بأنه من الطبقة الثانية فلا يؤثر ذلك لأن الإمام مسلمًا رتب الأحاديث في هذا الباب اعتبارًا بأحوال الرواة.

والذي يستخلص من ترجمته ومن صنيع الأئمة أنه إن تفرد بحديث لا يتصل بمذهب الشيعة فلا يعد حديثه منكرًا مردودًا بل يكون مقبولًا، وإن كان الحديث الذي تفرد به متعلقًا بمذهب الشيعة فلا يقبل منه؛ لأنه كان متشيعًا مفرطًا فيه، بل متهمًا بالغلو فيه، وأما إذا شاركه غيره فيعتبر حديثه من الصحاح كما يدل عليه صنيع الشيخين في صحيحيهما. والله أعلم.

(1) الحديث في صحيح مسلم ، كتاب الصلاة ، باب جواز أذان الأعمى 4/83 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت