فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 57

المثال الأول:

قال الأستاذ:

"مثالان لإسنادين صدر بهما مسلم بابيهما وأعلهما غيره."

أولًا: كتاب الطهارة، باب فضل الوضوء، فيه حديث واحد (1/203) قال مسلم - رحمه الله: حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا حبان بن هلال، حدثنا أبان، حدثنا يحيى أن زيدًا حدثه أن أبا سلام حدثه عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان. . ."الحديث"."

درسه الأستاذ كعادته فقال:

"إن مسلمًا أورده مصدرًا به هذا الكتاب، لأنه يعتقد صحته كما يعتقد صحة كل ما يورده في كتابه والحديث من الأحاديث التي انتقدها الدارقطني، ووفقه ابن القطان وابن رجب، وادعوا أن فيه انقطاعًا بين أبي سلام وأبي مالك الأشعري، وتبين بالدراسة وبالرجوع إلى تاريخ الرجال، أن أبا سلام لم يدرك أبا مالك الأشعري، حيث توفي أبو مالك قبل أن يولد أبو سلام."

وليس عندي من المجازفة والمكابرة ما عند بعض الناس، فلم يسعني إلا موافقة الدارقطني ومن تبعه، وقد اعتذر الإمام النووي عن الإمام مسلم - رحمه الله - بأن الظاهر من حال مسلم أنه علم سماع أبي سلام لهذا الحديث عن أبي مالك فيكون أبو سلام سمعه من أبي مالك وسمعه أيضًا من عبد الرحمن بن غنم"."

"ولقناعتي بانقطاع إسناد هذا الحديث، حيث تبين لي أن أبا سلام لم يدرك أبا مالك رجحت الانقطاع بينهما استسلامًا للحق، ثم شمرت عن ساعد الجد أبحث عن متابعات وشواهد للحديث، فوجدت - ولله الحمد - طرقًا تقويه تصل إلى درجة الصحيح، ثم اعتذرت عن مسلم بأنه ظن أبا سلام قد عاصر أبا مالك فحكم بصحته بناء على مذهبه في الاكتفاء بمطلق المعاصرة بين الراوي وشيخه مع إمكان اللقاء، ولو أن رجلًا مخلصًا أعلمه يستطيع أن يثبت لقاء أبي سلام لأبي مالك لشددت إليه الرحال لآخذ منه هذه الفائدة، ولقبلت رأسه".

"وهكذا أقول في الأحاديث القليلة التي رجحت فيها جانب الدارقطني، أتمنى بفارغ الصبر من يناقشني فيها وسوف أشد الرحال إلى من يقوم بذلك لأشكره ولأقبل رأسه فرحًا بهذا العمل الجليل، وليعلم القارىء أنني كنت إذا رجحت رأي الدارقطني على رأي مسلم فإنما هو من باب القيام بالقسط في نظري وفي حدود علمي مع إحساسي بالمرارة والأسى".

"ثم أشمر عن ساعد الجد في البحث عما يقوي ذلك الحديث وينهض به، لذا تراني في عملي قد ركزت على الشواهد والمتابعات حتى أصل بالحديث إلى درجة تقر بها عيني وعين كل محب للسنة إن وجدت لذلك سبيلًا، ثم أقول الآن: أين الترتيب الذي يستدل به المليباري؟ وإذا كان من منهج مسلم أنه إذا أدرك في الحديث شيئًا أخره فلماذا لم يؤخره مسلم إلى آخر الكتاب بناء على هذا الزعم". انتهى كلام الأستاذ.

قلت: نلاحظ في كلامه أمورًا لا بد من مناقشتها.

أولًا: إننا في صدد مناقشة الأمثلة الحديثية التي لها صلة وثيقة بمنهج الإمام مسلم في ترتيب أحاديثه في الصحيح، وقد نبهنا في مستهل هذا البحث بأن ذلك الترتيب إنما يكون في الأبواب التي تضم أكثر من حديث، ولذا تستثنى من ذلك الأبواب التي لم يرد فيها سوى حديث واحد إذ أنه لا مجال فيها للترتيب أصلًا.

وعلى هذا فصنيع الأستاذ الذي لمسناه في هذا النوع يبدو غريبًا لا ينسجم مع طبيعة بحثه التي تنكر وجود منهج للإمام مسلم في ترتيب أحاديث الأبواب؟

ولو كان بحثه يتمحور حول التزام مسلم بالصحيح لكان مثل هذا النموذج جديرًا بالطرح والمناقشة! لماذا؟ لأن الإمام مسلمًا أورد في هذا الباب حديثًا واحدًا على سبيل تصحيحه والاحتجاج به من غير متابعة ولا شاهد، وذلك مما انتقده الدارقطني. وعلى هذا الأساس يعالج هذا الحديث كي يدفع الاعتراض عن الإمام مسلم في تصحيحه والاحتجاج به، وليس من أجل إثبات ترتيب الأحاديث.

ثانيًا: جزم الأستاذ في مستهل كلامه بأن"الإمام مسلمًا يعتقد صحة هذا الحديث ولهذا صدر الكتاب به"، ثم اختتمه قائلًا:"وإذا كان من منهج مسلم أنه إذا أدرك في الحديث شيئًا أخره، فلماذا لم يؤخره مسلم إلى آخر الكتاب بناء على هذا الزعم".

يبدو من هذا الكلام أننا في مناسبة البحث عن ترتيب أحاديث الكتب في الصحيح، وليس الأمر كذلك؛ بل نحن بصدد البحث عن ترتيب الأحاديث في أبواب الصحيح، وكلامه هذا لا يستقيم إلا إذا قلنا إن أحاديث الكتب هي محل الترتيب في صحيح مسلم، كما لا ينسجم مع عنوانه:"مثالان لإسنادين صدر بهما مسلم بابيهما وأعلهما غيره"، حيث كان مضمون الكلام خاصًا في ترتيب أحاديث كتاب الطهارة، وليس في أحاديث أبوابه.

ثالثًا: اعتذاره عن الإمام مسلم بقوله:"إنه ظن أن أبا سلام قد عاصر أبا مالك فحكم بصحته بناء على مذهبه في الاكتفاء بمطلق المعاصرة بين الراوي وشيخه مع إمكان اللقاء".

أهكذا تورد يا سعد الإبل؟ وهل تثبت المعاصرة عند الإمام مسلم بمجرد الظن، دون رجوعه إلى التاريخ والمعرفة أو الشهرة؟ ثم يحكم بصحة الحديث بناء على ذلك الظن؟ كلا، ثم كلا، الأمر الذي اعتمد عليه مسلم في تصحيحه شيء آخر، كما سنبينه عن قريب - إن شاء الله تعالى - ولو اعتذر الأستاذ عن الإمام مسلم بما اعتذر به الإمام النووي لسلم عن هذه الهفوة الشنيعة.

رابعًا: اهتمامه البالغ بالبحث عما يقوي ذلك الحديث وينهض به من الشواهد والمتابعات. . . حيث قال:"شمرت عن ساعد الجد أبحث عن متابعات وشواهد للحديث، فوجدت - ولله الحمد - طرقًا تقويه تصل إلى درجة الصحيح".

يفهم منه أن الإمام الدارقطني طعن في الحديث وضعفه بالانقطاع وقال: إنه لا يعرف إلا من هذا الطريق المنقطع، وليس الأمر كذلك، وكأن الأستاذ لم يفهم من قول الدارقطني قصده، ومتى كان الحديث ضعيفًا؟ حتى يساعد الأستاذ على ترقيته إلى درجة تقر بها عينه وعين كل محب للسنة!

والحديث لم يطعن فيه أحد، بل ظل صحيحًا عند كل محب للسنة، ولتوضيح قول الإمام الدارقطني أنقله هنا بنصه:

قال الإمام الدارقطني:

"وأخرج مسلم عن إسحاق بن منصور، عن حبان بن هلال، عن أبان، عن يحيى، عن زيد بن سلام، عن أبي سلام، عن أبي مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم:"الطهور شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان". وفيه:"الصلاة نور والقرآن حجة"وخالفه معاوية بن سلام رواه عن أخيه زيد، عن أبي سلام، عن عبد الرحمن بن غنم أن أبا مالك حدثهم بهذا"اهـ.

يعني به: أن يحيى خالفه معاوية بن سلام، إذ قال يحيى: عن زيد بن سلام، عن أبي سلام، عن أبي مالك الأشعري بينما كان قول معاوية: عن زيد بن سلام، عن أبي سلام، عن عبد الرحمن بن غنم، عن أبي مالك الأشعري.

فغرض الدارقطني - كما هو واضح من سياق كلامه - بيان المخالفة بين يحيى ومعاوية في ذكر الواسطة بين أبي سلام وأبي مالك الأشعري وعدمه، من غير إشارة إلى أن رواية مسلم منقطعة أو متصلة، ولم يعلق الإمام الدارقطني على هذه المخالفة بشيء.

يعني ماذا قال زيد بن سلام؟ هل قال عن أبي سلام، عن أبي مالك مباشرة؟ أم عن أبي سلام، عن عبد الرحمن بن غنم، عن أبي مالك؟ أم قال على الوجهين جميعًا؟

وليس مقصود الإمام الدارقطني - رحمه الله تعالى - هنا بيان الانقطاع في رواية يحيى التي أوردها مسلم - رحمه الله تعالى - في صحيحه، ولو كان الأمر كذلك لصرح بانقطاعه كعادته في التتبع، ولو فرضنا أنه يريد بيان الانقطاع في رواية يحيى لكانت الرواية التي أوردها الدارقطني عاضدًا لها، حيث إن الواسطة المبهمة في رواية يحيى أصبحت معلومة من خلال رواية معاوية التي ذكرها الدارقطني، وهي عبد الرحمن بن غنم، وبذلك ينجبر الانقطاع، وعندئذ لا يكون قول الإمام الدارقطني - رحمه الله تعالى - طعنًا في الحديث بل يكون مقويًا له.

إن الموازنة العلمية بين جهابذة المحدثين في آرائهم النقدية تتوقف أساسًا على إحاطة شاملة بجميع أسرار منهجهم في التصحيح والتعليل واطلاع واسع يساعد الباحث على فهم مصطلحاتهم النقدية وحل ألغازها، وإلا تتحول علمية الموازنة إلى عبث وجدال ودعاوى فارغة.

إن البحث عن الشواهد والمتابعات القاصرة تتبلور أهميته إذا طعن في الأحاديث ببطلانها أو بوضعها، ولم يقع في التتبع الدارقطني شيء من هذا القبيل.

أما إذا تكلم في الإسناد بمخالفة راويه لغيره أو تفرده بروايته عمن فوقه فدور الباحث أن يبحث عن المتابعات التامة والثابتة التي تزول بها حالة التفرد، أو عن القرائن التي تزول بها المخالفة والتي تدل على أن الراوي قد حفظ الحديث عن شيخه، وحدث كما سمعه منه، وإلا - أي وإن لم توجد المتابعات التامة أو القرائن - فقول الناقد بالمخالفة أو التفرد يبقى سليمًا، ولا يرده الشواهد والمتابعات القاصرة التي يشمر الأستاذ عن ساعد الجد في جمعها.

وفي هذا الحديث تكلم الدارقطني بالمخالفة بين يحيى بن أبي كثير ومعاوية بن سلام وليس بانقطاع الإسناد ولا بضعف الحديث ووهنه، بل يفيد صجته ويؤكد ثبوته ما أورده الإمام الدارقطني هنا من رواية معاوية التي تذكر الواسطة، وينجبر بها الانقطاع. وعليه فإن جهد الأستاذ في سبيل بحثه عن الشواهد والمتابعات القاصرة أمر لم يطلبه دور الإجابة على نقد الدارقطني، وإن كان قصد الإمام الدارقطني هو توهين الحديث بانقطاع سنده فإن رواية معاوية لن تكون إلا متابعة لرواية يحيى وتقوية لها.

ومما يعين عليه - كباحث - أن يبحث عن القرائن التي تدل على أن أبا سلام قد حدث على الوجه الذي رواه عنه يحيى بن أبي كثير وعلى الوجه الذي روى عنه معاوية بن سلام، يعني حدث أبو سلام مرة عن أبي مالك الأشعري مباشرة، وأخرى عنه بالواسطة، وبذلك تزول المخالفة التي صرح بها الإمام الدارقطني، ثم يجب عليه أن ينظر في إسناد يحيى بن أبي كثير أمنقطع هو أم متصل؟

أما لو تكلم الدارقطني في هذا الحديث بأنه منقطع، ولا يعرف المتن إلا من هذا الطريق المنقطع فعلى الموازن أن يبحث عن شواهد لأنها تزيل الشبهة التي أثارها الناقد بقوله: إن المتن لا يعرف إلا من هذا الطريق المنقطع، أو عن المتابعات التي ينجبر بها الانقطاع الذي أشار إليه الناقد. ولم يتكلم الدارقطني بذلك في هذا الحديث، وإنما تكلم بالمخالفة بين يحيى ومعاوية عن زيد بن سلام.

فإذا ثبت أن أبا سلام قال على الوجهين جميعًا فلا بد من البحث عن اتصال سند يحيى، لأن ورود واسطة بين أبي سلام وأبي مالك في رواية أبي معاوية لا يعني بالضرورة أن إسناد يحيى منقطع، لاحتمال أن يكون أبو سلام قد سمع أولًا من أبي مالك، ثم سمعه أيضًا من عبد الرحمن بن غنم عن أبي مالك، وأبو سلام حدث مرة هكذا وأخرى هكذا.

وأما في حالة ثبوت أن أبا سلام لم يحدث عن أبي مالك مباشرة وإنما حدث بواسطة عبد الرحمن بن غنم فمعناه أن يحيى بن أبي كثير تصرف في الرواية، وأسقط منها الواسطة التي ذكرها أبو سلام، وفي هذه الحالة يظهر انقطاع السند، وأن هذا الانقطاع لا يضره لمعرفة الواسطة، وهي عبد الرحمن بن غنم.

وأما إن كان القول الثابت هو قول يحيى بن أبي كثير فإن في رواية معاوية خللًا يتمثل في زيادة راوٍ بين أبي سلام وأبي مالك، دون أن يذكره أبو سلام، وعليه فإن أبا سلام لا يكون له علاقة بما حدث في السند من ذكر الواسطة، ثم تأتي أهمية البحث عن مدى الاتصال في سند يحيى هل سمعه أبو سلام من أبي مالك أم لا؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت