كان علي أن أذكر مجموعة من الأحاديث الطوال التي أوردها الإمام مسلم في أواخر كتاب الإيمان 3/39 - 77 (شرح النووي) يبلغ عددها ستة وثلاثين حديثًا، يبوب لها بأبواب محتلفة بحسب موضوعاتها، لكنني تركت ذكرها اختصارًا، بناءً على أنني سأشير إلى آحادها حين أجيب.
فإن الأستاذ خلط بين هذه الأحاديث فأتى بأحاديث من آخر باب ضم إليها مجموعة من الأحاديث من باب بعده، ثم درسها دراسة هامشية دون أن يتأمل مضمون الأحاديث، مستدلًا بهذا على كونها غير مرتبة، حيث كانت أحاديث الطبقة الثانية مقدمة وأحاديث الطبقة الأولى مؤخرة بزعمه.
ومن تأمل مضمون هذه الأحاديث يتبين له وهم الأستاذ، وعدم مراعاة الدقة في تبويب الأحاديث التي اختلفت عليها نسخ شرح النووي في طبيعته.
ذلك أننا بمراجعة الطبعة الثانية، لدار إحياء التراث العربي - 1392هـ 1972م - نتبين أن الأحاديث لباب"آخر أهل النار خروجًا. . . فكان ذاك أدنى أهل الجنة منزلة"وتنتهي بحديث جابر بن عبد الله (3/39 - 47) بلغ عددها تسعة أحاديث.
والأحاديث التي بعده إلى حديث أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"يخرج من النار أربعة فيُعرَضون على الله. . ."جاءت تحت باب:"خروج عصاة المؤمنين من النار" (3/49 - 53) وعددها أربعة أحاديث.
وما بعده من الأحاديث إلى حديث جابر"لكل نبي دعوة قد دعا بها في أمته وخبأتُ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة"في باب (الشفاعة) (3/53 - 77) وعددها واحد وعشرون حديثًا.
ونلاحظ عناوين أخرى مضمنة أثناء الشرح لبعض منها مثل"المقام المحمود"3/51"وما جاء في عصمة الأنبياء - عليهم السلام - 3/53. لكن في الطبعة الجديدة المرقمة لدار القلم، أحاديث باب"آخر أهل النار خروجًا"تبدأ بحديث عبد الله بن مسعود كما في الطبعة الثانية، لكن تنتهي بحديث أنس عن عبد الله بن مسعود وهو حديث ثالث من أول الباب 3/41 - 44."
والأحاديث التي بعده إلى حديث أبي هريرة وحذيفة"يجمع الله - تبارك وتعالى - الناس فيقوم المؤمنون حتى تُزْلَف لهم الجنة. . ."في باب"أدنى أهل الجنة منزلة فيها"3/45 - 70، وعددها سبعة عشر حديثًا.
وعليه فأي التسمية أطلقها النووي على هذه الأبواب؟ وأي الأحاديث يلحق بكل منها؟ رجح الأستاذ بغير مرجح ما جاء موافقًا للطبعة الجديدة المرقمة، فقال:
"وفي باب"أدنى أهل الجنة منزلة فيها"من كتاب الإيمان حديث (188 - 195) ، (1/175) في صدر الباب، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يحيى بن أبي بكير، حدثنا زهير بن محمد، عن سهيل بن أبي صالح، (وهو من الثانية) ، عن النعمان بن أبي عياش، عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن أدنى أهل الجنة منزلة رجل صرف الله وجهه عن النار قبل الجنة. . ."الحديث. ..."
1 -ثم عقبه بحديث المغيرة بن شعبة من طرق من الدرجة الأولى ثم عقبه بحديث أبي ذر من طرق رجالها من الطبقة الأولى، مدارها على الأعمش، عن المغرور بن سويد، عن أبي ذر مرفوعًا.
2 -ثم أتبعه بحديث (191) عن أبي الزبير، (عن) جابر مرفوعًا، وأبو الزبير من الدرجة الثانية.
3، 4 - ثم ساقه من طريقين من الدرجة العليا عن عمرو بن دينار، عن جابر، ثم ساقه من طريقين مدارهما على (يزيد) الفقير - ثقة - عن جابر، والطريق الأولى من الطبقة الأولى، وفي الطريق الثانية أبو عاصم محمد بن أبي أيوب، قال فيه الحافظ: صدوق، فهو من الثانية.
5 -ثم أورده من طريق حماد بن سلمة، عن أبي عمران وثابت، عن أنس ويمكن أن نعد هذا الإسناد من الدرجة الأولى؛ لأن حماد بن سلمة أثبت الناس في ثابت.
6 -ثم أورده من طريقين من الدرجة الأولى مدارهما على قتادة عن أنس، وأورده البخاري مختصرًا في كتاب التوحيد رقم 7516.
7 -ثم أورده من طريق معاذ بن هشام وهو كما قال الحافظ صدوق ربما وهم، فهو من الطبقة الثانية.
8 -ثم أورده من طريق من الدرجة الأولى عن قتادة به، ثم أورده من طريقين من الدرجة الأولى مدارهما على معبد بن هلال العنزي (وهو ثقة) عن أنس بسياق طويل، وهو حديث متفق عليه، رواه مسلم عن أبي الربيع العتكي وسعيد بن منصور، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا سعيد بن هلال العنزي، عن أنس مرفوعًا، ورواه البخاري، كتاب التوحيد، باب كلام الرب - عز وجل - يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم.
9 -ثم أورده مسلم من طريق أبي بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن عبد الله بن نمير، قالا: حدثنا محمد بن بشر (ثقة) ، حدثنا أبو حيان (ثقة عابد) ، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة بسياق طويل مرفوعًا رجاله من الدرجة الأولى وهو مما اتفق عليه الشيخان، أخرجه البخاري في الأنبياء، حديث 3340.
10 -ثم ساقه بلفظ أخضر من طريق رجاله من الدرجة الأولى إلى أبي هريرة، وأخرجه البخاري في التفسير حديث (4712) .
11 -ثم أورده من طريق فيها محمد بن فضيل، عن أبي مالك، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، فهل أخر مسلم هذه الأحاديث المتفق عليها لأنه أدرك فيها شيئًا؟ وهل ضرَّها أن تأتي في الترتيب برقم 9، 10؟ وهل الإسناد الأول أقوى وأنظف من هذه الأسانيد المتأخرة في الترتيب؟ وهل ذلك يخرجها عن كونها هي الأصول وهي عمدة الباب؟ كلا، ثم كلا. انتهى كلام الأستاذ.
هيهات هيهات أن يكون ما اختاره الأستاذ حقًا، يدلك على ذلك تخبطه السيء، ولو أنه تأمل قليلًا فيما أورده مسلم لنجا وسلم.
إن الأحاديث التي رواها أنس بن مالك وأبو هريرة من رقم 6 إلى رقم 11 حسب ترقيم الأستاذ في الشفاعة، وليس في باب"أدنى أهل الجنة منزلة فيه"، لكن آثر أن يأخذ مجموعة من الأحاديث من وسط الباب ليضم إليها مجموعة من أول الباب الذي يليه، وكأنه بهذا الصنيع يلفق ليستدل لرأيه، مغترًا بدراسته السطحية، فيتساءل متبجحًا:
"فهل أخر مسلم هذه الأحاديث المتفق عليها لأنه أدرك فيها شيئًا؟ وهل ضرَّها أن تأتي في الترتيب برقم 9، 10؟ وهل الإسناد الأول أقوى وأنظف من هذه الأسانيد المتأخرة في الترتيب؟ وهل ذلك يخرجها عن كونها هي الأصول وهي عمدة الباب؟؟ كلا ثم كلا".
إن مسلمًا لم يؤخر ولم يقدم، ولكنك اخترت مما أخره في باب فقدمته، ومما قدمه في باب آخر فأخرته، فوازنت ورجحت، ولو أنصفت ما فعلت، فإن المتأمل في الطبعة الثانية لشرح النووي يتبين له أن الذي جعله الأستاذ في صدر الباب"باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها"والذي رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يحيى بن أبي بكير، عن زهير بن محمد، عن سهيل بن أبي صالح، عن النعمان بن أبي عياش، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إن أدنى أهل الجنة منزلة. . ."الحديث هو الحديث الرابع في باب"آخر أهل النار خروجًا".
بينما الأحاديث التي رواها الإمام مسلم من حديث أنس وأبي هريرة والتي جعلها الأستاذ في آخر باب"أدنى أهل الجنة منزلة فيها"هي من باب"الشفاعة"فجعل الجميع في باب واحد، فسهل عليه إيقاع القارىء في اللبس وإيهامه أن الإمام مسلمًا لم يراع في الصحيح ترتيبًا علميًا حيث كانت الأحاديث لأهل القسم الثاني مقدمة وأحاديث الطبقة الأولى مؤخرة، فانجلى الأمر وبان الحق بإرجاع الأحاديث كل إلى بابه وتأكد (أن الذي تحته حمار ليس بفرس) .
هذا وقد وقع في حديث معبد بن هلال العنزي (3/60 - 62) ما يؤيد التبويب بالشفاعة من قول معبد:"انطلقنا إلى أنس بن مالك وتشفعنا بثابت. . . يا أبا حمزة إن إخوانك من أهل البصرة يسألونك أن تحدثهم حديث الشفاعة. . .".
وعلى كل فالتبويب المناسب لوضع الأحاديث، ودقة ترتيبها وجودة تنسيقها التي اهتم بها الإمام مسلم - فيما أرى - على النحو التالي:
أما المجموعة الأولى من الأحاديث التي تبدأ بحديث عبد الله بن مسعود مرفوعًا"إني لأعلم آخر أهل النار خروجًا. . . فكان يقال: ذاك أدنى أهل الجنة منزلة"وتنتهي بحديث المغيرة بن شعبة"يقول على المنبر إن موسى - عليه السلام - سأل الله - عز وجل - عن أخَسِّ أهل الجنة منها حظًا، وساق الحديث بنحوه"فيبوب لها"باب آخر أهل النار خروجًا"، أو"باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها".
والمجموعة الثانية التي تبدأ بحديث أبي ذر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولًا فيها، وآخر أهل النار خروجًا منها، رجل يؤتى به يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه وارفعوا عنه كبارها، فتُعرض عليه صغار ذنوبه فيقال: عملتَ يوم كذا وكذا، كذا وكذا فتُعْرَض عليه صغارُ ذنوبه فيقول: نعم، لا يستطيع أن ينكر، وهو مشفق من كبار ذنوبه أن تعرض عليه، فيقال له: فإن لك مكان كل سيئة حسنة، فيقول: ربِّ قد عملت أشياء لا أراها ههنا، فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه"، وتنتهي بحديث أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"يُخرج من النار أربعة فيعرضون على الله فيلتفت أحدهم فيقول: أي ربِّ إذ أخرجتني منها فلا تُعدني فيها، فينجيه الله منها" (3/47 - 52) فيبوب لها"باب خروج عصاة المؤمنين من النار"حيث إن مضمون هذه الأحاديث يختلف عن مضمون المجموعة الأولى.
والمجموعة الثالثة التي أولها حديث أنس بن مالك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يجمع الله الناس يوم القيامة. . ."الحديث الطويل، وآخرها حديث أبي هريرة وحذيفة مرفوعًا"يجمع الله - تبارك وتعالى - الناس فيقوم المؤمنون. . ."إلى آخر الحديث (3/53 - 70) وعددها سبعة أحاديث، فيبوب لها"باب الشفاعة".
وبعدها"باب قول النبي صلى الله عليه وسلم:"أنا أول الناس يشفع في الجنة"، وفيه أربعة أحاديث، وبعدها"باب اختباء النبي صلى الله عليه وسلم دعوة الشفاعة لأمته"وفيه عشرة أحاديث، أوله حديث أبي هريرة، وآخره حديث جابر (3/73 - 77) ."
فإن التبويب لهذه المجموعة بعناوين تناسب موضوعاتها هو الأولى، وقد صرح في مقدمته بأنه يعيد الأحاديث لزيادة معنى فيها لأن المعنى الزائد في الحديث المحتاج إليه يقوم مقام حديث تام.
وبعد هذا فنخوض في بيان كيفية الترتيب بين هذه الأحاديث، فأقول: أما الباب الأول ففيه ثلاث أحاديث:
حديث عبد الله بن مسعود.
وحديث أبي سعيد الخدري.
وحديث المغيرة.
وأوردها مسلم بالترتيب بينها إذ قدم حديث عبد الله بن مسعود، وثنى بحديث أبي سعيد، وثلث بحديث المغيرة بحسب القوة والسلامة، فإن حديث ابن مسعود اشتهر بروايته عند الأئمة المعروفين.
وحديث عبد الله بن مسعود حديث كوفي، اشتهر في داخل الكوفة وخارجها حتى سمعه الإمام مسلم من شيوخه الكوفيين وغيرهم، ولم يكن كذلك حديث أبي سعيد الخدري الذي ثنى به مسلم، ولا حديث المغيرة الذي ثلث به، على أن مسلمًا بيَّن الاختلاف الذي وقع بين أصحاب ابن عيينة في حديث المغيرة، ووافقه الدارقطني ببيانه في كتابه"التتبع"، وهو من المواضع التي بين فيها مسلم العلة والاختلاف، ويأتي تفصيل ذلك عند بيان كيفية الترتيب في طرق حديث المغيرة - إن شاء الله تعالى -.
وساق هنا عدة طرق لحديث ابن مسعود، وهي:
طريق منصور، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن ابن مسعود.
وطريق الأعمش، عن إبراهيم به.
وطريق حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، عن ابن مسعود.