"هذا الذي تأوله عبد الله الحاكم على مسلم من اخترام المنية قبل استيفاء غرضه مما قبله الشيوخ، وتابعه عليه الناس في أنه لم يكمل غرضه إلا من الطبقة الأولى، ولا أدخل في تأليفه سواها".
"وأنا أقول: إن هذا غير مسلّم لمن حقق نظره ولم يتقيد بتقليد ما سمعه، فإنك إذا نظرت تقسيم مسلم في كتابه الحديث كما قال على ثلاث طبقات من الناس، فذكر أن القسم الأول حديث الحفاظ، ثم قال بأنه إذا تقصى هذا أتبعه بأحاديث من لم يوصف بالحذق والإتقان مع كونهم من أهل الستر والصدق وتعاطي العلم وذكر أنهم لاحقون بالطبقة الأولى، وسمى أسماء من كل طبقة من الطبقتين المذكورتين، ثم أشار إلى ترك حديث من أجمع أو اتفق الأكثر على تهمته، وبقي من اتهمهم بعضهم وصححه بعضهم فلم يذكره هنا".
"ووجدته - رحمه الله - قد ذكر في أبواب كتابه وتصنيف أحاديثه، حديث الطبقتين الأوليين التي ذكر في أبوابه وجاء بأسانيد الطبقة الثانية التي سماها وحديثها كما جاء بالأولى على طريق الاتباع لأحاديث الأولى والاستشهاد بها، أو حيث لم يجد في الكتاب للأولى شيئًا، وذكر أقوامًا تكلم قوم فيهم وزكاهم آخرون وخرج حديثهم ممن ضعف أو اتُّهم ببدعة، وكذلك فعل البخاري رحمه الله".
"فعندي أنه - رحمه الله - قد أتى بطبقاته الثلاث في كتابه على ما ذكر، ورتب في كتابه وبينه في تقسيمه، وطرح الرابعة كما نص عليه، فتأول الحاكم أنه إنما أراد أن يفرد لكل طبقة كتابًا ويأتي بأحاديثها خاصة مفردة، وليس ذلك مراده، بل إنما أراد بما ظهر من تأليفه وبان من غرضه أن يجمع ذلك في الأبواب، ويأتي بأحاديث الطبقتين، فيبدأ بالأولى ثم يأتي بالثانية على طريقة الاستشهاد والاتباع، حتى استوفى جميع الأقسام الثلاثة، ويحتمل أن يكون أراد الطبقات الثلاث من الناس الحفاظ ثم الذين يلونهم والثالثة هي التي طرحها، والله أعلم بمراده".
"وكذلك أيضًا علل الحديث التي ذكر ووعد أنه يأتي بها قد جاء بها في مواضعها من الأبواب، من اختلافهم في الأسانيد، والإرسال والإسناد والزيادة والنقص وذكر تصاحيف المصحفين، وهذا يدل على استيفائه غرضه في تأليفه وإدخاله في كتابه كما وعد به".
"وقد فاوضت في تأويلي هذا ورأيي فيه من يفهم هذا الباب فما وجدت منصفًا إلا صوبه وبان له ما ذكرت، وهو ظاهر لمن تأمل الكتاب وطالع مجموع الأبواب والله الموفق للصواب".
"ولا يعترض على هذا ما نقلت عن ابن سفيان من أن مسلمًا خرج بثلاث كتب، فإنك إذا تأملت ما ذكر ابن سفيان لم يطابق الغرض الذي أشار إليه الحاكم مما ذكر مسلم في صدر كتابه، فتأمله تجده كذلك إن شاء الله" (1) اهـ.
ثم قال - شارحًا لقول مسلم:"وسنزيد إن شاء الله شرحًا وإيضاحًا. . .":
"قيل هذا الكلام الذي وعد به ليس منه شيء في الكتاب وأنه مما اخترمته المنية قبل جمعه، إذ ما أدخله في كتابه من الصحيح المتفق عليه ليس يحتاج إلى شيء من الكلام عليه، لعلوِّ رتبته، وقلة غلط رواته، وحفظهم وإتقانهم، وقد قدمنا الكلام عليه، وأنه قد ذكره في أبواب" (2) .
فالقاضي عياض صريح في رأيه، واضح في نظره، قوي الحجة في مناقشته وبيَّنها مع الحاكم، ولتوضيح ذلك أقول:
يعتقد القاضي أن الإمام مسلمًا استوفى كل ما وعده في مقدمته، فرتب الأحاديث مقدمًا أحاديث الطبقة الأولى ومُتْبعًا بأحاديث الطبقة الثانية، وبين العلل في مواضع من الكتاب، وأن العلل هي التي يعرفها أصحاب الحديث من الاختلاف الوارد في الحديث كالإرسال والإسناد، والرفع والوقف، كالزيادة والنقص والتصحيفات، ثم أعاد وأكد حين شرح قول مسلم:"وسنزيد إن شاء الله شرحًا وإيضاحًا. . ."وقال:"وقد قدمنا الكلام عليه وأنه قد ذكره في أبوابه"، وأن دعوى الحاكم لا يوافقه فيها أحد حقق نظره ولم يتقيد بالتقليد، بل أقر ما قاله القاضي عياض كل من يفهم هذا الشأن، وصوبه كل منصف تأمل الكتاب وطالع مجموع الأبواب.
لكن في كلامه ما ينبغي التحقيق فيه، يقول:"فعندي أنه أتى بطبقاته الثلاث في كتابه على ما ذكر ورتب في كتابه، وبينه في تقسيمه وطرح الرابعة، ويحتمل أن يكون أراد بالطبقات الثلاث: الحفاظ ثم الذين يلونهم والثالثة هي التي طرحها".
والذي نلاحظه ههنا هو مخالفته لنص الإمام مسلم من أنه قسم الرواة ثلاثة أقسام وثلاث طبقات، وطرح أحاديث الثالثة، كما في الاحتمال الثاني الذي ذكره القاضي.
ويمكن توجيه ما قاله القاضي بأن تقسيم الإمام مسلم للرواة كان تقسيمًا عامًا وشاملًا، غير أن القاضي عياضًا جعل تقسيم الإمام غير شامل للقسم الذي استدركه عليه ولهذا قال:"وبقي من اتهمهم بعضهم وصححه بعضهم فلم يذكره هنا"، ومن هنا قال القاضي عياض - رحمه الله:"أتى بطبقاته الثلاث في كتابه"، ولم يرد به القاضي جماعة المتهمين بالكذب ولا الذين يغلطون في الحديث غلطًا فاحشًا، بل أراد بالقسم الثالث الذين أدخل حديثهم مسلم في الصحيح ممن اتهمهم بعضهم وصحح أحاديثهم بعضهم، وعلى هذا فليس في كلامه ما يخالف نص الإمام مسلم، والله أعلم.
فوجدنا بين الحاكم وبين القاضي عياض - رحمهما الله - خلافًا في تحديد مقصود الإمام مسلم بقوله في المقدمة، إذ قال الحاكم:"إنما أراد أن يفرد لكل طبقة كتابًا ويأتي بأحاديثها خاصة مفردة، ولم يخرج مسلم إلا أحاديث القسم الأول، فلما حدث بها اخترمته المنية قبل إخراج القسمين الأخيرين"، بينما قال القاضي عياض:"أخرج مسلم أحاديث القسمين الأولين، وترك أحاديث القسم الثالث"غير أن الحافظ ابن حجر - رحمه الله - حاول التوفيق بينهما، فقال:
"وإنما اشتبه الأمر على القاضي عياض ومن تبعه بأن الرواية عن أهل القسم الثاني موجودة في صحيحه، لكن فرض المسألة هل احتج بهم كما احتج بأهل القسم الأول أم لا؟ والحق أنه لم يخرج شيئًا مما انفرد به الواحد منهم، وإنما احتج بأهل القسم الأول، سواء تفردوا أم لا؟ ويخرج من أحاديث أهل القسم الثاني ما يرفع به التفرد عن أحاديث أهل القسم الأول، وكذلك إذا كان لحديث أهل القسم الثاني طرق كثيرة يعضد بعضها بعضًا فإنه قد يخرج ذلك".
"وهذا ظاهر بيِّن في كتابه، ولو كان يخرج جميع أحاديث أهل القسم الثاني في الأصول بل وفي المتابعات لكان كتابه أضعاف ما هو عليه".
"ألا تراه أخرج لعطاء بن السائب في المتابعات وهو من المكثرين، ومع ذلك فما له عنده سوى مواضع يسيرة، وكذا محمد بن إسحاق وهو من بحور الحديث وليس له عنده في المتابعات إلا ستة أو سبعة، ولم يخرج لليث بن أبي سليم ولا ليزيد بن أبي زياد ولا لمجالد بن سعيد إلا مقرونًا" (3) اهـ.
يعني به الحافظ ابن حجر - رحمه الله - أن الذي ذهب إليه الحاكم هو مسألة الاحتجاج بأحاديث القسم الثاني، وهي غير واردة في الصحيح، فإن الإمام مسلمًا لم يحتج بأحاديث تفرد بها أهل القسم الثاني، وإنما أخرج منها ما شاركه فيه أهل القسم الأول من غير استيعاب، وهو أمر مسلم بوجود أحاديث القسم الثاني في الصحيح، فناقش الحاكم على أساس أنه يدعي بعدم ذكر أحاديث أهل القسم الثاني فيه أصلًا، كما هو الظاهر من كلام الحاكم، وقال:"إن مسلمًا أخرج أحاديث القسمين الأولين ولم يخرج شيئًا من أحاديث القسم الثالث".
وإن كان مراد الحاكم هو مسألة الاحتجاج في صحيح مسلم بأحاديث القسم الثاني مثل أحاديث القسم الأول فالأمر كما قال، ولن يكون للقاضي اعتراض في ذلك، ولكن مما يستبعد أن يفهم هذا المعنى من سياق كلام الحاكم، لأن الحاكم قال:"أراد مسلم أن يفرد لكل طبقة كتابًا خاصًا وأن يأتي بأحاديثها مفردة خاصة". والله أعلم.
وأما إذا كان محل الخلاف هو هل أخرج مسلم في صحيحه من أحاديث القسم الثاني على غير استيعاب فالأمر كما حرره القاضي عياض على ضوء الأدلة المادية الملموسة في تضاعيف صحيح مسلم.
ولم يكتف القاضي عياض بالنظريات، بل بدأ يطبقها مفصلًا ومجملًا، مثلًا: يقول في حديث أخرجه مسلم من رواية الأعمش، وأعله الإمام الدارقطني:
"وهذا الإسناد من الأحاديث المعللة في كتاب مسلم التي يبين مسلم علتها كما في خطبته، وذكر الاختلاف فيه" (4) .
وقال القاضي في حديث أخرجه مسلم في الوصية وأعله الدارقطني:
"وهذا وشبهه من العلل التي وعد مسلم في خطبة كتابه أنه يذكرها في موضعها، فظن ظانون أنه يأتي بها مفردة وأنه توفي قبل ذكرها، والصواب أنه ذكرها في تضاعيف كتابه كما أوضحناه في أول هذا الشرح" (5) .
يتضح من هذا أن الرأي الصحيح الذي قبله من القاضي عياض كل منصف حقق نظره وراجع أبواب الصحيح هو أن الإمام مسلمًا أراد بكلامه في المقدمة التزامه في تضاعيف كتابه بترتيب الأحاديث حسب القوم والسلامة، وبشرح العلل في مواضع منه على سبيل التبع لا أصالة ولا مقصودًا، وأنه طبقه في كتابه وهذا بعينه الذي فهمناه وحررناه من قبل.
(1) الإكمال 1/19/1 - نسخة مخطوطة - .
(2) الإكمال1/30/1 .
(3) النكت على ابن الصلاح ، للحافظ ابن حجر 1/433-434 .
(4) نقله الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم . 4/26 .
(5) نقل ذلك النووي في شرحه 11/81 .