ويقول الحافظ - رحمه الله - في هدي الساري ص: 13:". . . فهذا محمول على حسن الوضع وجودة الترتيب". يوجه به الحافظ رأي مسلم بن القاسم القرطبي في تفضيل صحيح مسلم على صحيح البخاري.
يعني: يتميز صحيح مسلم بجودة الترتيب وحسن الوضع عن سائر الكتب الحديثية، ولذا فضله القرطبي على صحيح البخاري.
وهذا الترتيب لن يكون إلا ترتيب الأحاديث بتقديم الأصح فالأصح لأن الترتيب الفقهي لم ينفرد به الإمام مسلم، بل يشاركه فيه البخاري وأصحاب السنن وغيرهم، بل اتفق الجميع على أن الإمام البخاري قد فاق الأئمة في الصناعة الفقهية، ولذا فإنه لم يكن قصده بالترتيب الذي ميز كتاب مسلم سوى الترتيب العلمي الذي يكون بتقديم الأصح فالأصح.
ويقول الحافظ في تلخيص الحبير 3/31:
"وقد بينت في المدرج أن هذه الجملة"أرأيت إذا منع الله الثمر فبم يستحل أحدكم مال أخيه"؟ موقوفة من قول أنس، وأن رفعها وهم وبيانها عند مسلم".
ولتوضيح المسألة أقول:
قال مسلم في كتاب المساقاة باب وضع الجوارح 10/216 (شرح النووي) - بعد أن صدر الباب بحديث جابر:
"حدثنا يحيى بن أيوب وقتيبة وعلي بن حجر قالوا: حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن حميد، عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع ثَمَر النخل حتى تَزْهو."
فقلنا لأنس:"ما زَهْوُها"؟ قال:"تَحْمَرُّ وتَصْفَرُّ، أرأيتك إن منع الله الثمرة بم تستحل مال أخيك؟".
"حدثني أبو الطاهر أخبرنا ابن وهب أخبرني مالك، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمرة حتى تُزْهي، قالوا: وما تزهي؟ قال: تَحْمَرُّ، فقال:"إذا منع الله الثمرة فبم تستحل مال أخيك؟"."
"حدثني محمد بن عباد حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن حميد، عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن لم يُثْمرها الله فبم يستحل أحدكم مال أخيه".
نرى الإمام مسلمًا هنا يشرح العلة في حديث أنس ويوضح من خلال رواية حديث أنس من طرقه المختلفة أن الصواب في الجملة الأخيرة"إن لم يثمرها الله فبم يستحل أحدكم مال أخيه"هو وقفها على أنس، وأما رفعها إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما عمل محمد بن عباد فوهم، وهذا ظاهر وجلي من خلال مقارنة بين هذه الروايات التي أوردها مسلم هنا.
وهذا الذي رأينا هنا هو قصد الحافظ ابن حجر بقوله:"وبيان الوهم في رفعها عند مسلم".
ولما تتبع الدارقطني هذا الحديث لم يعمل إلا أن أوضح علته التي شرحها مسلم هنا كما بين علته كل من أبي زرعة وأبي حاتم (1) .
فاتضح به اعتقاد الحافظ بأن مسلمًا يشرح في صحيحه العلل على هذا النحو الذي لمسناه آنفًا، علمًا أن الإمام مسلمًا صدر الباب بحديث جابر ثم أتبعه بحديث أنس وذكر فيه الروايات المختلفة وقفًا ورفعًا.
ولما أعلن القاضي عياض في شرحه لصحيح مسلم في مناسبة حديث تتبعه الإمام الدارقطني:
"بأنه من الأحاديث المعللة التي ذكرها مسلم في خطبة كتابه أنه يوردها ويبين علتها".
لم يصدر عن الحافظ ابن حجر أي اعتراض حول موقفه هذا، بل أقره، مما يؤكد على أن القاضي قد أصاب في رأيه، في الوقت الذي اعترض الحافظ على القاضي في موافقته مع الدارقطني في كون الحديث معلولًا، إذ قال الحافظ معلقًا عليه:
"كذا قال".
يعني كذا قال القاضي، لأن الحديث ليس معلولًا، حيث إن أبا معاوية جمع بين الوجهين، وأبو معاوية أحفظ الناس في حديث الأعمش.
وهذا الذي قاله الحافظ وجيه، إلا إذا لم يكن هناك سبب لترجيح رواية الجماعة. والله أعلم.
وعلى كل فالذي يعنينا هنا هو أن الحافظ ابن حجر - رحمه الله - أيضًا ممن يقتنع بأن مسلمًا له منهج خاص في ترتيب الأحاديث في صحيحه، كما أنه يبين العلل في بعض المواضع من الصحيح تبعًا لا أصالة.
(1) التتبع ص: 361 وعلل أبي حاتم 1/378 .