فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 57

قال الإمام مسلم - رحمه الله - (1) :

1 -وحدثني حَرْملة بن يحيى أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن المسيب، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"نحن أحق بالشك من إبراهيم صلى الله عليه وسلم إذ قال:"رب أرني كيف تحيي الموتى، قال: أو لم تؤمن؟ قال: بلى، ولكن ليطمئن قلبي"، قال: ويرحم الله لوطًا لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لَبِثْتُ في السجن طول لبث يوسف لأجبتُ الداعي".

2 -وحدثني به - إن شاء الله - عبد الله بن محمد بن أسماء الضُّبَعي، حدثنا جويرية، عن مالك، عن الزهري أن سعيد بن المسيب وأبا عبيد أخبراه عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل حديث يونس عن الزهري، وفي حديث مالك:"ولكن ليطمئن قلبي، قال: ثم قرأ هذه الآية حتى جازها".

3 -حدثنا عبد بن حُميد قال: حدثني يعقوب - يعني ابن إبراهيم بن سعد - حدثنا أبو أُوَيْس، عن الزهري كرواية مالك بإسناده، وقال: ثم قرأ هذه الآية حتى أنجزها"."

يقول الأستاذ:"وحرملة من الثانية، ثم عقبه بإسناد فيه جويرية بن أسماء، عن مالك، عن الزهري به، قال الحافظ فيه:"صدوق"فهو من الطبقة الثانية، ثم ختم الباب بإسناد فيه أبو أويس، عبد الله بن عبد الله بن أويس عن الزهري قال فيه الحافظ:"صدوق يهم"."

ثم يتساءل الأستاذ ويقول:

فإن قلت:"كيف يروي في هذا الباب الخطير بمثل هذه الأسانيد؟ قلت: لأن بعضها يقوي بعضًا فترتقي إلى درجة الصحة، فقد وفَّى مسلم بوعده بالصحة، ثم إن الحديث ثابت وله إسناد صحيح على شرط البخاري من الدرجة الأولى، وقد أخرجه البخاري فقال: حدثنا أحمد بن صالح، ثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة وسعيد، عن أبي هريرة".

"ومسلم يعرف هذا - والله أعلم - ولكنه لغرض من أغراض المحدثين كالعُلو، يعدل عن إخراج الحديث من الدرجة الأولى إلى دونها أو لسبب آخر، وهو أنه لم يخرج لأحمد بن صالح لكلام فيه لم يثبت، كما تحاشى حديث عكرمة وغيره ممن تكلم فيه بكلام لا يثبت، فتركهم مسلم تورعًا كما يترك البخاري بعض رجال مسلم ممن تكلم فيه بكلام لم يثبت تورعًا"انتهى كلام الأستاذ.

أقول: إن الأستاذ لم يقرر هنا أن مسلمًا لم يرتب الأحاديث بل أراد أن يبين أنه لم يذكر في هذا الباب حديث الطبقة الأولى، وليس هذا من موضوعنا في شيء، لكن ثمة هفوات علمية أذكرها معلقًا عليها بعد ذكر كيفية الترتيب بين هذه الأحاديث.

أورد الإمام مسلم هنا حديث الزهري من ثلاث طرق، هي طريق يونس الأيلي وطريق مالك وطريق أبي أويس، كلها صحيحة وثابتة، وقد اتفق البخاري على تخريجه من طريق ابن وهب عن يونس، عن الزهري به (2) ، ومن طريق عبد الله بن محمد بن أسماء، عن جويرية، عن مالك، عن الزهري به (3) ، ومن طريق عمرو بن الحارث، عن يونس، عن الزهري به نازلًا (4) .

قدم مسلم حديث يونس في أول الباب، ثم ذكر حديث مالك، ثم حديث أبي أويس لأن حديث يونس أصح وأسلم من غيره، إذ أنه اشتهر برواية الثقات من المصريين له، أما حديث مالك فقد رواه عنه جويرية بن أسماء البصري، وتفرد به عنه، ولهذا أورده الدارقطني في غرائب مالك، يعني الأحاديث التي لم تشتهر عن مالك ولم يرد في موطئه (5) .

وقال مالك في إسناد الزهري:"عن أبي عبيد وسعيد"بدل"أبي سلمة"، وتابعه أبو أويس، وحديث أبي أويس الذي ختم به مسلم دون حديث مالك في الزهري، ولم يخرجه البخاري من طريقه.

فهذه الأحاديث مرتبة حسب الخصائص الإسنادية، ذلك أن حديث يونس مشهور من رواية الثقات المصريين، وحديث مالك لم يشتهر، وختم الباب بحديث أبي أويس لأنه جون مالك في الإتقان والضبط.

أما ما قاله الأستاذ من أن الرواة في الطبقة الثانية فقد بينت سابقًا أن حرملة ثقة في الطبقة الأولى عند الإمام مسلم فقد اتفقوا على أنه أعلم الناس بأحاديث ابن وهب.

قال أحمد بن صالح معاصره وبلديُّه:"إن حرملة عنده جميع أحاديث ابن وهب، وعندي نصفها فقط"، ولما اختلفا وتنافرا امتنع كل منهما عن أن يحدث شخصًا سمع من الآخر من الوافدين، من هنا فات لكثير من هؤلاء الوافدين إلى مصر أن يجمعوا بينهما في السماع (6) .

ولعل الإمام مسلمًا سمع من حرملة أولًا فامتنع أحمد بن صالح من تحديثه لذلك، فلم يحدث عن أحمد بن صالح في صحيحه وليس لكلام قيل فيه، ومن هنا يبعد أن يقال:"ترك مسلم أحمد بن صالح لكلام فيه لم يثبت تورعًا"، وأحمد بن صالح ثقة اعتمد عليه البخاري في صحيحه، وتركه النسائي لما نشأ بينهما من العداوة الشخصية، وحاول النسائي أن يجمع ما غلط فيه أحمد بن صالح من الأحاديث، فلم يتجاوز ما وجده من الأخطاء القدر المعتاد من الثقات.

وعلى كل فالحديث صحيح وثابت عن الإمام الزهري من ثلاث طرق، أصحها ما صدر به الإمام مسلم هذا الباب، فكانت هذه الأحاديث الصحيحة النظيفة مرتبة ترتيبًا علميًا، وبهذا ثبت أن ما طرحه الأستاذ من تساؤل في غير موضعه.

(1) في كتاب الإيمان ، باب زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة - من شرح النووي -2/183 .

(2) صحيح البخاري مع الفتح 6/10-411 .

(3) المصدر السابق 6/418و 12/381 .

(4) المصدر السابق 8/366 .

(5) قال الحافظ: هو من الأحاديث التي حدث بها خارج الموطأ، واشتهر أن جويرية تفرد به عنه، لكن تابعه سعيد بن داود عن مالك أخرجه الدارقطني في غرائبه من طريقه. (الفتح: 6/411) .

(6) راجع ترجمة حرملة في الكامل لابن عدي 2/863 ، والتهذيب 2/229 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت