قال الإمام مسلم - رحمه الله - في كتاب الحيض، باب بيان أن الجماع كان في أول الإسلام لا يوجب الغسل إلا أن ينزل المني، وبيان نسخه وأن الغسل يجب بالجماع 4/36 - 39 (شرح النووي) .
1 -وحدثنا يحيى بن يحيى ويحيى بن أيوب وقُتيبة وابن حجر، قال يحيى بن يحيى أخبرنا، وقال الآخرون حدثنا (1) إسماعيل - وهو ابن جعفر - عن شريك - يعني ابن أبي نَمر - عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخُدْري عن أبيه قال: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الإثنين إلى قُباء، حتى إذا كنا في بني سالم وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على باب عِتْبانَ فصرخَ به، فخرج يجُرُّ إزاره فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أعجلنا الرجل"، فقال عتبان:"يا رسول الله أرأيت الرجل يُعْجَل عن امرأته ولم يُمن ماذا عليه"؟ قال رسول الله صلى الله عليه:"إنما الماء من الماء".
2 -حدثنا عبيد الله بن معاذ العَنْبري حدثنا المعتمر، حدثنا أبي، حدثنا أبو العلاء بن الشِّخِّير قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يَنْسخ حديثُه حديثَه بعضُه بعضًا، كما ينسخ القرآن بعضُه بعضًا.
3 -حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا غُنْدَر، عن شعبة ح، وحدثنا محمد بن المثنى وابن بشار، قالا: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن الحكم، عن ذكوان، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّ على رجل من الأنصار فأرسل إليه فخرج ورأسه يَقْطُر، فقال:"لعلنا أعجلناك"؟ قال:"نعم، يا رسول الله"قال: إذا. . . (ساق الإمام الحديث) .
4 -حدثنا أبو الربيع الزهراني، حدثنا حماد، حدثنا هشام بن عروة ح، وحدثنا أبو كُريب، محمد بن العلاء واللفظ له، حدثنا أبو معاوية، حدثنا هشام، عن أبيه، عن أبي أيوب، عن أبي بن كعب، قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يصيب من المرأة يُكْسِل، فقال:"يغسل ما أصابه من المرأة ثم يتوضأ ويصلي".
5 -وحدثنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن هشام بن عروة، حدثني أبي عن المَليِّ، عن المّلِيِّ يعني بقوله:"الملي عن الملي"أبو أيوب عن أبي بن كعب، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في الرجل يأتي أهله ثم لا يُنْزِل، قال:"يغسل ذكره ويتوضأ".
6 -حدثنا هارون بن سعيد الأيْلي، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن ابن شهاب، حدثنا أن أبا سلمة بن عبد الرحمن حدثه عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"إنما الماء من الماء".
7 -وحدثني زهير بن حرب وعبد بن حميد قالا: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث ح وحدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد - واللفظ له - حدثني أبي عن جدي، عن الحسين بن ذكوان، عن يحيى بن أبي كثير أخبرني أبو سلمة أن عطاء بن يسار أخبره أن زيد بن خالد الجهني أخبره أنه سأل عثمان بن عفان قال: قلت: أرأيت إذا جامع الرجل امرأته ولم يُمْنِ؟ قال عثمان:"يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ويغسل ذكره"، قال عثمان: سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
8 -وحدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد، حدثني أبي عن جدي، عن الحسين، قال يحيى: وأخبرني أبو سلمة أن عروة بن الزبير أخبره أن أبا أيوب أخبره أنه سمع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أورد الإمام مسلم - رحمه الله - في هذا الباب مجموعة من الأحاديث التي تتفق كلها في الموضوع، وهي سبعة أحاديث عن أربع من الصحابة - هم أبو سعيد الخدري وأبي بن كعب وعثمان وأبو أيوب - مرتبًا لها حسب الخصائص الإسنادية وفاء لوعده الذي قطعه على نفسه، مبينًا ما في بعضها من خلاف، بعد اعتماده على ما أورد أول الباب من الأحاديث الصحيحة النظيفة.
لكن الأستاذ غفل عن إدراكه ذلك، فقال:
"صدر مسلم هذا الباب بحديث أبي سعيد الخدري، وفي إسناده شريك بن عبد الله بن أبي نَمِر، قال فيه الحافظ:"صدوق يخطىء"ثم أورده عن أبي سعيد بإسناد رجاله من الدرجة الأولى، ثم أورده من طريقين رجالهما من الدرجة الأولى، مدارهما على شعبة، عن الحكم، عن ذكوان، عن أبي سعيد وهو متفق عليه من طريق شعبة به، أخرجه البخاري في الوضوء برقم 180".
"ثم أورده من حديث أبي بن كعب من طريقين من الدرجة الأولى ثم أورده من حديث عثمان برجال من الدرجة الأولى غير عبد الصمد بن عبد الوارث، قال الذهبي فيه:"حجة"وقال الحافظ:"صدوق ثبتٌ في شعبة"وهو من الأحاديث المتفق عليها، أخرجه البخاري في الوضوء، حديث 179، وفي الغسل حديث 292 أخرجاه من طرق مدارهما على يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عطاء بن يسار، عن زيد بن خالد الجهني، عن عثمان، فأين الترتيب والدقائق العلمية أي الأدواء القتالة التي أودعها مسلم في كتابه الصحيح؟ أي كتاب العلل على منهج المليباري".
أقول: إن قوله:"أي الأدواء القتالة. . ."إن دل على شيء فإنما يدل على شدة جهله بالعلة، وبعده عن منهج المحدثين.
إن الإمام مسلمًا رتب هذه المجموعة من الأحاديث التي تتفق في المعنى الفقهي - وهو عدم وجوب الغسل بالجماع على من لم ينزل - فذكر حديث أبي سعيد أولًا، ثم حديث أبي بن كعب وأورد بعدهما الأحاديث الباقية لبيان الخلاف على أبي سلمة، فإن حديث أبي سعيد أصح وأسلم من حديث أبي بن كعب، ذلك أنه معروف من طريقين - طريق ابنه عبد الرحمن وطريق ذكوان - أما حديث أبي بن كعب فلم يعرف إلا عن طريق هشام بن عروة، فالحديث الذي روي من طريقين في أول الإسناد، وعرف بهما، ثم اشتهر في آخره أولى من الحديث الذي له طريق واحد، ثم اشتهر في آخره، من هنا كان تقديم مسلم لحديث أبي سعيد وتأخيره لحديث أبي بن كعب.
ثم رتب بين رواية عبد الرحمن بن أبي سعيد ورواية ذكوان اعتبارًا منه لمرجحات التقديم وهي كثيرة.
منها: أن رواية عبد الرحمن بن أبي سعيد عالية، والأخرى نازلة، لأن الرواة في الأولى خمسة، وفي الثانية ستة،
ومنها: أن الأولى رواتها مدنيون إلى شيوخ مسلم، دون الثانية، فإن الذي سمعه من ذكوان أبي صالح المدني هو الحكم بن عتيبة الكوفي، ثم تسلسل بالكوفيين.
ومنها: أن رواية عبد الرحمن بن أبي سعيد الأولى اشتهرت في بلاد مختلفة، فقد سمعها مسلم في بلده وخارجه، ورواها عن يحيى بن يحيى النيسابوري، وقتيبة بن سعيد البغدادي، وعلي بن حُجْر البصري فما سمعه عاليًا من عدة شيوخ مسلسلًا بالمدنيين أحق بالتقديم، وهذه هي الدقائق العلمية التي أودعها الإمام مسلم في ترتيب الأحاديث في صحيحه - ولله الحمد والفضل -.
أما الأحاديث الثلاثة في آخر الباب فأراد بذكرها بيان الخلاف على أبي سلمة، إذ قال الزهري عنه:"عن أبي سعيد"، وقال يحيى بن أبي كثير عنه:"عن عطاء بن يسار، عن زيد بن خالد، عن عثمان"، وفي رواية أخرى عنه عن عروة، عن أبي أيوب، والواقع أن مسلمًا لم يعتمد على هذه الروايات، فرأيناه يؤخر رواية أبي سلمة عن أبي سعيد، ويفصل بين الروايات عن أبي سعيد على خلاف عادته إذ كان يجمع الطرق، وهذا يدل على أنه إنما فعل ذلك لينبه إلى الخلاف في رواية أبي سلمة.
فبين أن الرواة مختلفون على أبي سلمة: أَرَوَى الحديث عن أبي سعيد مباشرة، أم عن أبي أيوب بواسطة، أم عن عثمان بينهما راويان؟ فبَيَّن خلاف الرواة عن أبي سلمة بعد ذكره الأحاديث الصحيحة بأسانيد نظيفة، يعني أن الإمام الزهري خالفه فيه يحيى بن أبي كثير وهما إمامان، ويدور عليهما أحاديث أهل الحجاز.
وكشف لنا الإمام مسلم بصنيعه أن في الحديث علة، كما ذهب إليه غير واحد من أهل الحديث.
هذا الإمام أحمد يقول:"حديث عثمان معلول".
وقال علي بن المديني:"شاذ"،
وقال الدارقطني:"وهم، لأن عثمان وغيره قد ثبت عنهم الفتوى بإيجاب الغسل إذا لم ينزل عند الجماع".
وقال الدارقطني في حديث أبي أيوب الأخير:"إنه وهم أيضًا وإنما سمعه أبو أيوب من أبي بن كعب".
وأما قول الأستاذ:"شريك بن عبد الله بن أبي نمر قال فيه الحافظ: صدوق يخطىء"فيريد به أن الرجل في الدرجة الثانية، إلا أن صنيع الإمام مسلم والبخاري في صحيحيهما يدل على أنه في طبقة الاحتجاج، ومن شروطهما في الأصول؛ لأنهما احتجا به واعتمدا عليه.
قال الحافظ في الهدى:"وثقه ابن سعد وأبو داود وكذا ابن معين، وقال النسائي:"لا بأس به"، ومرة قال:"ليس بالقوي"، وكذا قال ابن الجارود، وكان يحيى بن سعيد القطان لا يحدث عنه، وقال الساجي:"كان يرمي بالقدر"، وقال ابن عدي:"إذا روى عنه ثقة فلا بأس بروايته احتج به الجماعة إلا أن في روايته عن أنس لحديث الإسراء مواضع شاذة"."
وقال ابن عدي:"وشريك رجل مشهور من أهل المدينة حدث عنه مالك وغير مالك من الثقات، وحديثه إذا روى عنه ثقة فإنه لا بأس بروايته إلا أن يروي عنه ضعيف".
يتضح من هذا أن الرجل ثقة، وأما ما أخذ عليه فبعض أخطاء في روايته عن أنس، والقول بالقدر، وليس في حديث الباب عنه شيء من ذلك، وأما ترك يحيى بن سعيد القطان له فلأنه كان معروفًا بالتشدد، يترك الرجل لخطأ يسير، وأيًا ما كان فلا يمكننا أن نحكم على مسلم بحكم أصدره الحافظ في التقريب، وخالفه في الهدى مقررًا أنه من رجال الشيخين، صالح للاحتجاج به عندهما، وكما لا يمكننا أن نترك ما يدل عليه صنيعه في صحيحه إذ أنه كان يقدم حديثه، ويصدر به الباب. وبهذا تبطل الدعوى وتثبت الحجة.
(1) لما جمع مسلم بين شيوخه ووقع بينهم خلاف في صيغ التلقي أراد أن يبينه إلى ذلك الاختلاف فقال: قال يحيى بن يحيى: أخبرنا، وقال الآخرون: حدثنا.