المثال الأول فهو ما يلي:
قال الإمام مسلم - رحمه الله - (1) :
1 -"حدثنا محمد بن عبد الله بن نُمَيْر الهَمْداني، حدثنا أبو خالد - يعني سليمان بن حَيَّان الأحْمر - عن أبي مالك الأشجعي، عن سعد بن عبيدة، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"بُنِيَ الإسلام على خمسة على أن يُوَحَّد الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، والحج"."
"فقال رجل: (الحج وصيام رمضان) ، قال:"لا، (صيام رمضان والحج) ، هكذا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم"."
2 -"وحدثنا سهل بن عثمان العَسْكري، حدثنا يحيى بن زكريا، حدثنا سعد بن طارق، قال: حدثني سعد بن عُبيدة السُّلمي عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"بني الإسلام على خمس على أن يعبد الله ويكفر بما دونه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان"."
3 -"حدثنا عبيد الله بن معاذ، حدثنا أبي، حدثنا عاصم - وهو ابن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر - عن أبيه، قال عبد الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان"."
4 -"وحدثني ابن نُمَير حدثنا أبي حدثنا حنظلة قال: سمعت عكرمة بن خالد يحدث طاوسًا أن رجلًا قال لعبد الله بن عمر:"ألا تغزو"؟ فقال:"إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الإسلام بني على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وحج البيت"."
ذكر الأستاذ هذه الأحاديث تحت عنوان: (أمثلة لأبواب افتتحها مسلم بأحاديث، أسانيدها من رجال الطبقة الثانية، ويختم بعضها برجال من الطبقة الأولى، وتكون من الأحاديث التي اتفق عليها الشيخان) . ثم درسها دراسة سطحية معتمدًا على كتاب (التقريب) للحافظ ابن حجر - رحمه الله - فجاء كلامه كما يلي:
"وأبو خالد الأحمر من رجال الطبقة الثانية، قال الحافظ:"صدوق يخطىء"، ثم عقبه بإسناد من الطبقة الأولى، وهو من الأحاديث التي اتفق عليها الشيخان، فمسلم أخرجه من طريق ابن نمير: حدثنا أبي، حدثنا حنظلة قال: سمعت عكرمة بن خالد. . . عن عبد الله بن عمر. والبخاري أخرجه في باب"دعاؤكم إيمانكم"من كتاب الإيمان، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا حنظلة به"اهـ.
أقول: هذه دراسة سطحية مبنية على نظره المجرد إلى أحوال رواة الحديث، أدَّت إلى ذهول صاحبها عن الخصائص الإسنادية التي راعاها الإمام مسلم في ترتيب الأحاديث، وعلى دراسته عدة مؤاخذات علمية أذكرها - إن شاء الله - بعد بيان الخصائص الإسنادية التي بنى عليها مسلم ترتيبه لها.
فقد أورد الإمام مسلم في هذا الموضوع حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - من ثلاث طرق: طريق أبي مالك الأشجعي كما في رقم 1، 2، وطريق عاصم بن محمد بن يزيد بن عبد الله بن عمر، كما في رقم 3، وطريق حنظلة كما في رقم 4، وهي كلها ثابتة وصحيحة ومذكورة في الأصول.
إلا أنه رتب بينها إذ بدأ بحديث أبي مالك الأشجعي، وثَنَّى بحديث عاصم، ثم بحديث حنظلة بحسب الخصائص الإسنادية والحديثية، ذلك أن حديث أبي مالك الأشجعي الكوفي أكثر شهرة من غيره فقد تناقله أهل بلده وغيرهم، وسمعه الإمام مسلم من محمد بن عبد الله بن نمير الكوفي، ومن سهل بن عثمان العسكري من الأهواز بهذا العلو.
وأما حديث عاصم المدني فلم يجده الإمام مسلم عاليًا عند أحد من شيوخه المدنيين، وإنما وجده عند غيرهم، فرواه عن معاذ العنبري البصري وكذلك لم يجد حديث حنظلة المكي يتناقله المكيون من شيوخه ويروونه وإنما وجده عاليًا عند غيرهم فرواه عن الكوفي محمد بن عبد الله بن نمير.
على أن رواية أبي مالك الأشجعي أجود ما في هذا الباب سياقًا تدل على دقته البالغة وضبطه الكامل، ذلك أنه حكى ما جرى بين ابن عمر والراوي عنه، من تصحيح الحديث الذي سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم لمن أخطأ فيه بتقديم وتأخير (2) ، وعليه فمن روى هذا الحديث عن ابن عمر مخالفًا لهذا السياق فتعتبر روايته رواية بالمعنى على القول الراجح (3) . والله أعلم.
فحديث أبي مالك الأشجعي أصح إسنادًا وسياقًا، والحديث الذي وجده الإمام مسلم في بلد راويه وخارجها عاليًا أولى من غيره وأرجح، لذلك قدمه على غيره فيما يبدو لي، وهذه الميزة تعتبر من أهم الخصائص الإسنادية عند المحدثين.
ونلاحظ أنه رتب أيضًا في حديث أبي مالك الأشجعي، إذ قدم حديث محمد بن عبد الله بن نمير على حديث سهل بن عثمان العسكري؛ لأن الأول مسلسل بالكوفيين إلا ابن عمر، والثاني إسناده كوفي ثم عسكري، على أن محمد بن عبد الله بن نمير من أشهر شيوخه الثقات، وأما سهل بن عثمان فدونه، وهذا يدل على دقة مسلم وتيقظه في الاختيار بين الروايات تقديمًا وتأخيرًا.
وقدم حديث عاصم على حديث حنظلة لأنه أتم سياقًا منه، ذلك أنه ذكر الشهادتين جميعًا، وأما حنظلة فحديثه الذي سمعه مسلم كان ناقصًا لم يذكر فيه إلا الشهادة الأولى.
على أن رواية عكرمة عن ابن عمر سمعها حنظلة منه دون أن يكون مقصودًا بالتحديث كما أفصح عنه سياق مسلم، وإن كانت هذه الرواية تفيد الاتصال دون أدنى تردد إلا أنها ليست مثل الرواية المقصود فيها الراوي عنه بالتحديث، من هنا فقد فرقوا بين صيغة (حدثني) وبين (سمعت) فإن الأولى صريحة في القصد بالتحديث دون الثانية، ومما يستفاد من مجموع الروايات أن المراد بقوله:"أن يوحد الله"هو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
بهذا يتبين لنا أن الأحاديث مرتبة ترتيبًا علميًا روعيت فيه الخصائص الإسنادية والحديثية جميعًا.
وأما ما قاله الأستاذ الفاضل:"وأبو خالد الأحمر من رجال الطبقة الثانية، قال الحافظ:"صدوق يخطىء"- مستدلًا به على أن أبا خالد الأحمر من رجال الطبقة الثانية عند الإمام مسلم - فهو قول غريب لأن الحافظ ابن حجر - رحمه الله - لم يصرح أنه يبين طبقات الرواة في كتابه"التقريب"على منهج الإمام مسلم في تقسيم الرواة، حتى يكون قوله دليلًا على رأي مسلم ومذهبه في الرواة، بل كان الحافظ يلخص من آراء النقاد جميعًا حسب ما فهم هو."
ثم إن الحافظ ابن حجر قسم الرواة في التقريب على اثنتي عشرة طبقة، والإمام مسلم قسمهم على ثلاث طبقات فقط، كما مضى مفصلًا (4) ، فأبو خالد الأحمر في الطبقة الخامسة على تقسيم الحافظ، وليس من الطبقة الثانية كما زعمها الأستاذ، والحق أنه هو في الطبقة الأولى عند الإمام مسلم وكذا عند الإمام البخاري كما يدل عليه صنيعهما في صحيحيهما.
وقد احتج به مسلم والبخاري في صحيحيهما في الأصول إذا لم ينفرد بحديث، انظر مثلًا صحيح البخاري في كتاب الصلاة، باب الصلاة في مواضع الإبل 1/527 (فتح الباري) فقد أخرج حديثه بدون ذكر المتابعة، معتمدًا عليه، لكن الحديث لم ينفرد به أبو خالد بل مما تابعه معمر، وأورد حديثه في باب الصلاة إلى الراحلة. . . 1/580.
وقال الإمام المنذري في مختصره لسنن أبي داود: إن أبا خالد الأحمر من الثقات الذين احتج بهم البخاري ومسلم (5) .
وأبو خالد وثقه ابن المديني وابن سعد والعجلي وابن حبان فماذا يمنع من أن يكون ثقة عند الإمام مسلم - وقد دل على ذلك صنيعه في صحيحه_؟
ويقول النسائي وابن معين في رواية عثمان الدارمي:"لا بأس به". ويقول الخطيب:"كان سفيان يعيب أبا خالد لخروجه مع إبراهيم بن عبد الله بن حسن، وأما أمر الحديث فلم يكن يطعن عليه فيه".
ويقول أبو هشام الرفاعي:"حدثنا أبو خالد الأحمر الثقة الأمين"، إلا أن أبا حاتم قال فيه:"صدوق".
وقال ابن معين:"صدوق وليس بحجة".
وقال ابن عدي:"إنما أتى من سوء حفظه فيغلط ويخطىء".
هذا وقد دافع الحافظ الذهبي في السير عن ثقته فقال معلقًا على ما قاله ابن عدي:"تابع ابنُ عدي ابنَ معين، فكان موصوفًا بالخير والدين وله هفوة وهي خروجه مع إبراهيم بن عبد الله بن حسن وحديثه محتج به في سائر الأصول".
وأبو خالد الأحمر من رجال الأصول عند الإمام مسلم والبخاري ومن شروطهما، وليس هو كما يقول الأستاذ، بل هو من الطبقة الأولى حسب تقسيم الإمام مسلم للرواة، وإن لم يكن في أعلى درجة الثقة (6) .
أما إذا كان الحديث متفقًا عليه فليس بلازم أن يكون في أعلى درجة من الصحة مطلقًا، لأنه قد يكون الحديث الذي انفرد به أحدهما أعلى درجة من المتفق عليه لأسباب أخرى مثل الشهرة ونحوها كما حرره الأئمة من المتأخرين.
يقول الحافظ ابن حجر في النكت 1/365:
"نعم قد يكون في ذلك الجانب أيضًا قوة من جهة أخرى وهو أن المتن الذي تتعدد طرقه أقوى من المتن الذي ليس له إلا طريق واحدة، فالذي يظهر من هذا أن لا يحكم لأحد الجانبين بحكم كلي، بل قد يكون ما اتفقا عليه من حديث صحابي واحد إذا لم يكن فردًا غريبًا أقوى مما أخرجه أحدهما من حديث صحابي غير الصحابي الذي أخرجه الآخر، وقد يكون العكس إذا كان ما اتفقا عليه من صحابي واحد فردًا غريبًا فيكون ذلك أقوى منه"اهـ.
على أن الاعتبار بأن الحديث متفق عليه، فهو بالنسبة إلينا، أما بالنسبة إلى الإمام مسلم فليس بشيء فإنه مجتهد، له رأي في الحكم بأصحية حديث، وعلى كل فقد وجدنا في حديث أبي مالك الأشجعي الذي صدر به الإمام مسلم هذا الباب من الخصائص الإسنادية ما يجعله أسلم أحاديث الباب وأصحها عنده. والله أعلم.
(1) ب الإيمان 1/176 من شرح النووي - باب أركان الإسلام - الطبعة الثانية 1392هـ - نشر دار إحياء التراث العربي - بيروت.
(2) انظر كتاب التمييز للإمام مسلم ، ص: 127 .
(3) انظر فتح الباري 1/50 ، والنكت 2/799 .
(4) راجع ص: 28 من هذا البحث .
(5) مختصر كتاب سنن أبي داود ، للمنذري 1/313 .
(6) راجع ترجمته في سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي 9/19، والتهذيب للحافظ ابن حجر 4/181، وهدي الساري، للحافظ ابن حجر ص: 407.