قال الإمام مسلم - رحمه الله: (1)
1 -"وحدثنا يحيى بن يحيى ومحمد بن رُمْح قالا: أخبرنا الليث ح وحدثنا قتيبة، حدثنا الليث عن أبي الزبير، عن جابر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أنه نهى أن يبال في الماء الراكد"."
2 -"وحدثنا زُهير بن حرب، حدثنا جرير، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا يبولن أحدكم في الماء الراكد ثم يغتسل منه"."
3 -"وحدثنا محمد بن رافع، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا مَعْمَر، عن هَمَّام بن مُنَبِّه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر أحاديث منها: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا تبل في الماء الدائم الذي لا يجري ثم تغتسل منه"."
يقول الأستاذ:"افتتح مسلم هذا الباب بحديث جابر بإسناد فيه أبو الزبير وهو من الدرجة الثانية، عن جابر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يبال في الماء الراكد، ثم عقبه بحديث أبي هريرة ساقه مسلم من طريقين من رجال الدرجة الأولى وهو متفق عليه، أخرجه البخاري في الوضوء".
أقول: هذه الأحاديث الثلاث رتبها مسلم ترتيبًا علميًا، إذ قدم حديث جابر على حديث أبي هريرة، ذلك أن حديث جابر سنده عالٍ، وحديث أبي هريرة نازل بالنسبة إلى حديث جابر، إذ توسط بين الإمام مسلم وبين النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جابر أربع رواة، وأما في حديث أبي هريرة فخمس، والعُلُوُّ من أهم الخصائص الإسنادية عند المحدثين.
على أن رواية الليث عن أبي الزبير رواية نظيفة وصحيحة وكان الإمام مسلم - رحمه الله - يعتمد عليها في الأصول، وقد اشتهرت رواية الليث عنه لهذا الحديث في بلده وخارجه، وسمعها مسلم من شيخه محمد بن رمح المصري، بلدي الليث، ويحيى بن يحيى النيسابوري، وقتيبة بن سعيد البصري.
وحديث جابر الذي صدر به الباب يحتوي على الخصائص الإسنادية من علو إسناده واشتهاره في بلد الليث بن سعد الذي يدور عليه هذا الحديث، وخارج بلده، وأما حديث أبي هريرة فدونه إذ أن الإمام مسلمًا سمعه بالنزول، وأن الإسناد بصري ثم كوفي ثم بغدادي، وكذلك الحديث الثالث.
أما ترتيبه لأحاديث أبي هريرة فظاهر لأن حديث ابن سيرين الذي قدمه على حديث همام مشهور، فقد رواه عن ابن سيرين غير واحد من الرواة، وليس كذلك حديث همام لأنه لم يروه عنه إلا معمر، ولم يرو عن معمر إلا عبد الرزاق، ثم اشتهر الحديث عن عبد الرزاق، وللغرابة كان مسلم دائمًا يورده في آخر الباب، ولا يصدر به الباب إلا إذا لم يوجد في الباب أصح منه، ولا يعني هذا أنه ليس بصحيح بل هو على شرط مسلم والبخاري، والغرابة لا تزول بمجرد ذكره في صحيح البخاري، وقد تقرر سابقًا أن الحديث المشهور - وإن انفرد به مسلم - أصح من الغريب - وإن اتفق على هذا الغريب البخاري ومسلم_.
وأما ما قاله الأستاذ:"افتتح مسلم هذا الباب بإسناد فيه أبو الزبير وهو من الدرجة الثانية"، فقول غير سليم، لا يصح أن يقال إنه من الدرجة الثانية عند الإمام مسلم؛ لأنه كان يحتج به ويجعل حديثه في الأصول، بل في صدر الباب حين يرويه عنه الليث بن سعد، لأن الليث بن سعد لم يحمل عن أبي الزبير إلا ما سمعه أبو الزبير من جابر، العيب الوحيد الذي قيل فيه هو التدليس، وقد زال برواية الليث عنه، وأما ترك شعبة لأبي الزبير فلأمر خارج لا صلة له بالحديث وحفظه وضبطه، كما يتضح ذلك من ترجمته، فمن أين للأستاذ أنه يجعله في الدرجة الثانية مخالفًا صنيع الإمام مسلم في صحيحه الذي يدل على أنه من الطبقة الأولى، إذ رواه عنه الليث بن سعد؟
(1) كتاب الطهارة ، باب النهي عن البول في الماء الراكد 3/187 ( شرح النووي ) .