أسوق فيه آراء طائفة من العلماء في مقصود الإمام مسلم بما ذكر في مقدمته حول منهجه في الصحيح، ومدى مقدار تطبيقه في تضاعيف كتابه.
يمكن حصر الآراء في قضيتين كما بينته سابقًا، وهما:
... 1 - قضية ترتيب الأحاديث في صحيح الإمام مسلم ترتيبًا علميًا يقوم على الأمور العلمية، والخصائص الإسنادية التي يتميز بها كل حديث منها.
2 -وقضية بيان العلل في مواضع من الصحيح على سبيل الندرة، تبعًا لا مقصودًا.
وينبغي أن نلاحظ: أنه لم يصلنا عن أحد من العلماء بعد تأليف الإمام مسلم كتابه"المسند الصحيح"إلى عصر الحاكم نص في تأويل ما قاله مسلم في مقدمته، وبيان مقصوده منه، وكما أنه لم ينقل عن أحد منهم خلاف حول هذين الأمرين، وعليه فيتعين علينا أن نتركهم جميعًا دون أن ندعي عليهم بهذا أو ذاك.
إن أول من فسر قول الإمام مسلم في المقدمة هو الإمام الحاكم، لكن القاضي عياض - أحد شراح صحيح مسلم - لم يرتض رأيه فناقشه وعارضه مستدلًا بواقع الصحيح، ثم تعرض لهذا الأمر كل من جاء بعده من شراح الصحيح وغيرهم، موافقين للقاضي، مسجلين ذلك في كتبهم.
وقد فهم الحاكم من قول مسلم في مقدمته ما يلي:
"أنه يفرد لكل طبقة كتابًا، ويأتي بأحاديثها خاصة مفردة، وأن المنية اخترمته قبل إخراج القسم الثاني، وأنه إنما ذكر القسم الأول"، ووافقه تلميذه الحافظ البيهقي (1) .
ومن يتأمل في نصوص الإمام مسلم وسياقها يستبعد صحة ما فهمه الحاكم منها، لأنه لا يصح أن يقال:"إن مسلمًا يفرد لكل طبقة كتابًا"، ومسلم يصرح بأنه يترك أحاديث الطبقة الثالثة، ولا يتشاغل بتخريجها، فكيف يتصور أنه يفرد لكل طبقة كتابًا، ومنها الطبقة الثالثة؟
ولا يقال: إنه يعني بقوله:"ولا يتشاغل بتخريجها"ترك الاشتغال بها في الصحيح. لأن مفهومه أنه يتشاغل بتخريج أحاديث الطبقة الثانية فيه، فبقبول هذا المفهوم ينتهي الخلاف بين القاضي والحاكم، حيث وافقا على أن الصحيح يضم أحاديث الطبقتين الأوليين، بغض النظر عما إذا كانت أحاديث الطبقة الثانية تذكر فيه باستيعاب أو بالندرة.
على أنه ليس في قول الحاكم ما ينفي وجود شيء من أحاديث الطبقة الثانية في الصحيح على سبيل الندرة تبعًا للقسم الأول، ولعل الحافظ ابن الصلاح لهذا علق على تفسيري الحاكم والقاضي بقوله:"كلام مسلم محتمل لما قاله عياض ولما قاله غيره" (2) .
غير أن ابن الصلاح استبعد صحة قول الحاكم حين قال:"ما روي عن إبراهيم بن محمد بن سفيان أنه قال: أخرج مسلم ثلاث كتب من المسندات، واحد الذي قرأه على الناس، والثاني يدخل فيه عكرمة، ومحمد بن إسحاق صاحب المغازي وضُرباءهُما، والثالث يدخل فيه من الضعفاء، وهذا مخالف لما قاله الحاكم (3) . والله أعلم."
وأما ما روي عن إبراهيم - إن صح - فلا صلة له بمنهج مسلم في الصحيح، إلا أن فيه ما ينقض دعوى الحاكم من أنه يفرد لكل طبقة كتابًا - وأن المنية اخترمته قبل إخراج القسم الثاني، حيث يدعي إبراهيم بأنه تم إخراج ثلاث كتب من المسندات.
وناقشه القاضي عياض - رحمه الله - مناقشة علمية، معتمدًا على الأدلة الحسية، ورضي قوله هذا كل من جاء بعده من شراح الصحيح وغيرهم.
(1) نقله القاضي في شرحه لصحيح مسلم ( الإكمال ) 1/19/1 .
(2) صيانة حديث مسلم لابن الحجاج ص: 90 .
(3) المصدر السابق .