فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 57

فالعلة التي وعد الإمام مسلم بيانها وشرحها في بعض المواضع من الكتاب حسب المناسبة وعلى سبيل التبع والاستطراد هي على اصطلاحها المعروف لدى المحدثين النقاد، ولا يترتب على بيانها في صحيح مسلم على هذا النحو أي تناقض لمقصود الكتاب وموضوعه، وقد بينا من قبل أن الخروج من موضوع الكتاب إلى أمر خارج تبعًا له أمر عادي، ومألوف لدى الجميع.

أما حمل كلمة"العلة"على مجرد الفروق التي تقع بين رواة الحديث ولو كانت تافهة فأمر في غاية الغرابة، لأنه لم يعرف عن أحد من المحدثين - قديمًا وحديثًا - إطلاقها عليه، ثم إن كلام الإمام مسلم:"وسنزيد إن شاء الله شرحًا وإيضاحًا في مواضع من الكتاب عند ذكر الأخبار المعللة إذا أتينا عليها في الأماكن التي يليق بها الشرح والإيضاح"يقتضي أن بيان العلة وشرحها يكون على سبيل الندرة، والأمر كذلك في واقع صحيح مسلم، فأما إذا حملت لفظه العلة وبيانها على ذكر الفروق التي تقع بين الرواة في ألفاظ الحديث وعباراتها، والتي لا تؤثر في معناه وفقهه فينافي ذلك كلام الإمام مسلم وواقع صحيحه، لأنه لا تكاد تخلو صفحة من صفحات الصحيح من بيان هذه الفروق التي تقع في الرواية.

وبيان الفروق في الرواية أمر تعود عليه الثقات المتقنون، وذلك إذا جمعوا بين شيوخهم، وساقوا رواياتهم المختلفة بسياق واحد، أشاروا إلى ذلك الاختلاف، فإنهم لا يجمعون بين الروايات وبين الشيوخ إلا إذا بينوا ما بينها من الفروق والاختلاف حتى ولو كانت تافهة، ومن هنا نجد الإمام مسلمًا وأمثاله من المحدثين يشيرون دائمًا إلى جميع أنواع الاختلاف بكل دقة إذ جمعوا بين الروايات المتفاوتة لفظًا أو سياقًا، لأن الرواية أمانة يجب نقلها عن صاحبها دون أدنى تصرف فيها، وفي حالة ما إذا تصرف فيها أحد ينبغي الإعلان عنه إما صراحة أو تلميحًا.

وبناء على هذا فإذا روى أحد الثقات جمعًا بين شيوخه، وساقوا رواياتهم مساقًا واحدًا، ولم يبين اختلافهم فيها، فمعنى ذلك أن رواياتهم كلها متفقة لفظًا ومعنى، بخلاف الضعفاء فإنهم يتساهلون في رصد الفروق بين الروايات التي يجمعونها - حتى ولو كان بينها من الخلاف ما يؤثر في صحتها - ويعد المفسرون والمؤرخون من الرواة من أشهر الناس تساهلًا في هذا الجانب.

ولهذا فإن علماء الجرح والتعديل لا يحتجون بأمثال هؤلاء إذا رووا جمعًا بين شيوخهم، وساقوا حديثهم بسياق واحد، إذ لا يطمئن القلب بأحاديثهم المروية على هذا الشكل، لاحتمال وقوع الاختلاف المؤثر في صحة الحديث بينها.

وهذا معنى قولهم:"فلان لا يحتج به إذا جمع، ويحتج به إذا أفرد". وقد تكلم بهذا النوع من التساهيل في عدد من الرواة كعطاء بن السائب، وليث بن أبي سليم، وجابر الجعفي، وابن إسحاق، وحماد بن سلمة، والواقدي، وعوف الأعرابي، وعبد الرحمن بن عبد الله العمري، وأبي بكر بن أبي مريم (1) .

وبعد هذا أصبح الأمر واضحًا وجليًا أن شرح العلة الذي وعده الإمام مسلم - رحمه الله - شيء، وبيان الفروق التي قد ترد في العبارات وفي الروايات الصحيحة شيء آخر، وأن ما قاله الأستاذ الفاضل من أن العلة هي بيان الفروق في العبارات غير صحيح على الإطلاق.

وفي الأخير لقد تجلى - بحمد الله - مما صرح الإمام مسلم في مقدمته أنه يرتب الأحاديث حسبما تتوافر فيها الخصائص الإسنادية والحديثية، وذلك بتقديم أصح الأحاديث ثم أصحها عنده، كما أنه يبين العلة في مواضع من الكتاب بذكر وجوه الاختلاف فقط على سبيل الاستطراد لا أصالة ولا مقصودًا بذاته. وأنه لا يلزم من ذلك شيء يحط الكتاب من مرتبته، بل إن ذلك يؤكد على أنه من أصح الكتب، كما يؤكد على عبقرية صاحبه الإمام مسلم بن الحجاج النيسابوري في معرفة صحيح الحديث وسقيمه، وعلى دقته المتناهية في التزامه بصحة الأحاديث في كتابه كله. وتقديم الأصح منها ثم الأصح.

وطبيعي جدًا أن يطرح هنا سؤال: إن كان الإمام مسلم يبين العلل على سبيل الاستطراد حسب ما أعلنه في مقدمة كتابه فما وجه الانتقادات الموجهة نحوه من قبل الإمام أبي مسعود الدمشقي والإمام الدارقطني وغيرهما من الأئمة؟ حيث إن الانتقاد لن يكون منهم إلا على أساس خرق الإمام مسلم لمنهجه إذ اشترط فيه صحة الأحاديث في كتابه كله، ولو كانت تلك الأحاديث المنتقدة لم يذكرها مسلم إلا لشرح عللها لما وجد وجه للانتقاد والطعن إذن.

أقول: هذا سؤال وجيه وجدير بالإجابة، وقد ألف الإمام الدارقطني كتابًا أسماه"التتبع"وأوضح فيه موضوعه ومضمونه، يقول الدارقطني في مستهل كتابه التتبع:

"ابتداء ذكر أحاديث معلولة اشتمل عليها كتاب البخاري ومسلم أو أحدهما بينت عللها والصواب منها" (2) .

وهذا النص واضح جدًا في موضوع هذا الكتاب هو ذكر أحاديث معلولة اشتمل عليها كتاب البخاري ومسلم أو أحدهما مع بيان عللها والصواب منها، وأنه لم يلمح فيه إلى أن الانتقاد سوف يوجه صوب صنيع الشيخين في صحيحيهما على أساس أن كلًا منهما قد أخلا بشروط كتابيهما، لأنه قال:"اشتمل عليها"ولم يوضح على أي وجه اشتمل عليها، وهو شامل لجميع أنواع الأحاديث، سواء اشتمل عليها على وجه الاحتجاج أم على وجه الاستئناس والاحتياط والاستشهاد أم على وجه التتبع وشرح العلل، ولم يقل - رحمه الله -"ذكر أحاديث معلولة احتج بها كل منهما في أصولهما".

والذي يبدو بوضوح من محتوى كتاب التتبع وإمعان النظر في عمل الدارقطني فيه أن الأحاديث التي بين عللها تصنف على أنواع:

منها: الأحاديث التي احتج بها البخاري ومسلم.

ومنها: ما أورده كل منهما في المتابعات.

ومنها: ما أورده كل منهما على سبيل الاحتياط أو الاستئناس.

ومنها: ما أورده كل منهما على سبيل التتبع وبيان العلل.

ومنها: ما ذكره مسلم في المقدمة.

أما النوع الأول فعدده قليل جدًا بالنسبة إلى الأنواع الأخرى إلا النوع الأخير، والذي يصلح فيه القول أن الشيخين قد أخلا فيه بشروطهما والتزامهما بها هو النوع الأول دون سواه، فإن الأنواع الأخرى كلها تكون خارج الأصول، ولم يذكرا شيئًا منها إلا على سبيل الاعتضاد أو الاحتياط أو الاستئناس أو التتبع وشرح العلة، وغاية ما يقال بالنسبة إلى هذه الأنواع أن الإمام الدارقطني أوضح السبب الذي كان يدفع كلًا من البخاري ومسلم إلى أن يذكرا الأحاديث على ذلك النحو هو وجود علة فيها، وفي نفس الوقت فإن الإمام الدارقطني يفيدنا أيضًا من خلال تتبعه لأحاديث الصحيحين دقة الشيخين في تصحيح الأحاديث وتعليلها ووضعها في مواضعها اللائقة من الصحيح. أما البخاري فكثيرًا ما يرويها معلقة بينما يوردها مسلم في أواخر الباب.

وعندما نلفي الإمام الدارقطني يؤيد أحيانًا صنيع الشيخين في التصحيح أو التعليل أثناء التتبع، أو نلفي الإمام أبا مسعود الدمشقي يصرح في بعض المواضع من التتبع أن الإمام مسلمًا إنما أراد تبيين الخلاف لا أنه يثبت الحديث (3) ، يمكننا أن نقول: إن هؤلاء الأئمة لم يقصدوا بتتبعهم لأحاديث الشيخين توجيه الطعن نحوهما لسبب إخلالهما بشروط الصحيح وعدم التزامهما بها، وإنما أرادوا أن يبرزوا الفوائد النقدية التي تكمن في صنيعهما والتي تحتاج إلى توضيحها، كما أرادوا أن يؤكدوا بأن الكتابين من أصح ما صنفه البشر على الإطلاق، حيث إنهم لم يتحصلوا من خلال تتبعهم على جانب الإخلال إلا في عدد قليل جدًا من جملة الأحاديث التي تربو على سبعة آلاف حديث، وهو أمر طبيعي جدًا لا غرابة فيه.

ونستخلص من هذه اللفتة الاستدراكية أن النتائج التي أسفر عنها تتبع الأئمة لأحاديث الشيخين هي الفوائد النقدية والمسائل الإسنادية التي يضمها الصحيحان لا أنهما قد أخلا بشروطهما في أحاديثهما.

ومن هنا نجد شراح الصحيحين ممن تولى الإجابة على الدارقطني في انتقاداته يقولون: هذا الانتقاد لا يضر في أصل الحديث، وإنما ذكره الشيخان في المتابعة، ويسع فيها ما لا يسع في الأصول، أو لم يذكره الشيخان إلا لبيان الاختلاف. وليس بخاف على أحد أن الإمام الدارقطني على علم تام بأن الشيخين لم يذكرا معظم الأحاديث المعللة على سبيل الاحتجاج.

ثم إني أعيد وأكرر بأنني لم أدَّع بعد أن الإمام مسلمًا التزم بيان العلل في صحيحه، وأن هذا البيان هو ترتيبه للأحاديث، وأنا بريء من هذه الدعاوى كل البراءة.

وإنما الذي أقول هو ما قاله الإمام مسلم في مقدمته، وفهمه منه العلماء قديمًا وحديثًا، أنه يشرح العلل في مواضع من الصحيح على سبيل الاستطراد، وأنه يرتب أحاديثه بتقديم الأصح فالأصح، وأن الإمام مسلمًا التزم الصحة في كتابه كله.

وبعد فلننتقل إلى المحور الثاني لننظر هل من الأئمة من فهم واقتنع بأن الإمام مسلمًا يرتب أحاديثه في الصحيح على النحو الذي رأيناه، وأنه يشرح العلل حسب المناسبات العلمية في مواضع من الصحيح بشكل استطرادي، ولنؤكد ما فهمناه من نص الإمام مسلم حتى نفند ما يدعيه الأستاذ المؤلف من"أن هذه الفكرة لم تكن معروفة من قبل، وهي فكرة غريبة وخطيرة تستهدف هدم السنَّة بأكملها". سبحان الله، ولله في خلقه شؤون.

(1) راجع شرح العلل لابن رجب الحنبلي ص: 358-360 .

(2) الإلزامات والتتبع للإمام الدارقطني، ص: 120 .

(3) انظر على سبيل المثال ص: 61 من هذا البحث .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت