قال الإمام مسلم - رحمه الله: (1)
1 -"حدثني حرملة بن يحيى، أنبأنا ابن وهب قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليُكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه"."
2 -"حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو الأحوص، عن أبي حَصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليَسْكُت"."
3 -"وحدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، بمثل حديث أبي حَصين غير أنه قال:"فليُحْسن إلى جاره"."
4 -حدثنا زهير بن حرب ومحمد بن عبد الله بن نُمير جميعًا عن ابن عيينة، قال ابن نمير: حدثنا سفيان، عن عمرو أنه سمع نافع بن جُبَيْر يخبر عن أبي شُرَيْح الخُزاعي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليَسْكُت"اهـ.
يقول الأستاذ:"وحرملة بن يحيى قال فيه الحافظ:"صدوق"فهو من الطبقة الثانية، ثم أتبعه بحديث أبي هريرة وهو متفق عليه، أخرجه البخاري برقم 6475، ثم ختم الباب بحديث أبي شريح الخزاعي، قال: حدثنا زهير بن حرب ومحمد بن عبد الله. . . ذكر الأستاذ كما في رقم 4 ورجاله من الطبقة الأولى وهو متفق عليه، أخرجه البخاري - رحمه الله - في كتاب الرقائق (حديث 6476) اهـ."
أقول: إن هذه الأحاديث جميعًا مرتبة ترتيبًا علميًا بتقديم ما هو أسلم على غيره، كما وعد به مسلم في المقدمة، أورد الإمام مسلم هنا أربعة أحاديث: ثلاثة منها عن أبي هريرة، والرابع عن أبي شريح، وهذه الأحاديث كلها صحيحة وثابتة، واتفق البخاري على تخريج حديث الزهري وحديث أبي حصين في مواضع من صحيحه دون حديث الأعمش الذي في رقم 3، وحديث نافع بن جبير الذي في رقم 4، فإنهما مما انفرد به مسلم دون البخاري.
وحديث أبي شريح الذي ختم به مسلم الباب، لم يخرجه البخاري من طريق نافع بن جبير، وإنما أخرجه من طريق سعيد المقبري عن أبي شريح، وكذلك أخرجه مسلم في موضع آخر من الصحيح، وهو في كتاب اللقطة.
إلا أن بين هذه الأحاديث تفاضلًا علميًا يتضح لنا بالمقارنة بين الروايات،
أولًا: المقارنة بين حديث أبي هريرة وحديث أبي شريح.
ثانيًا: المقارنة بين الروايات عن أبي هريرة.
قدم الإمام مسلم في هذا الباب حديث أبي هريرة، مصدرًا به الباب، وختمه بحديث أبي شريح، وذلك لأن الأول اشتهر من طريق أبي سلمة وطريق أبي صالح اللتين ذكرهما مسلم في الأرقام التالية: 1، 2، 3 ثم اشتهر كل منهما، فاشتهر حديث أبي سلمة برواية الإمام الزهري عنه إذ رواه عنه إبراهيم بن سعد ومعمر ويونس وغيرهم، كما اشتهر حديث أبي صالح برواية أبي حصين والأعمش، ثم رواه عنهما عدد من الرواة (2) .
أما حديث أبي شريح فلم يشتهر من طريق نافع بن جبير الذي ذكره مسلم في آخر الباب، وإنما اشتهر من طريق سعيد المقبري، الذي اتفق البخاري ومسلم على روايته، ولم يورده مسلم هنا لكن أورده في كتاب اللقطة.
وطريق نافع بن جبير لم يعرف إلا برواية عمرو بن دينار عنه، ولم يروه عن عمرو بن دينار إلا سفيان بن عيينة، ثم اشتهر عنه بين شيوخ مسلم، كما يبدو من التتبع، والله أعلم (3) .
فبهذا عرفنا أن الشهرة هي التي جعلت حديث أبي هريرة أصح وأقوى من حديث أبي شريح الذي ذكره مسلم من طريق نافع بن جبير، من هنا قدم مسلم حديث أبي هريرة، وصدر به الباب. على أن حديثه مما اتفق البخاري معه على روايته من طريق الزهري الذي بدأ به مسلم الباب ومن طريق أبي حصين الذي ثنى به. من هنا صح القول أن الإسناد الذي اتفق عليه الشيخان أولى من الإسناد الذي انفرد به مسلم دون الآخر، لأننا لم نجد في حديث نافع عن أبي شريح من الأمور العلمية ما يجعله أصح من حديث أبي هريرة.
أما الروايات عن أبي هريرة فمرتبة أيضًا ترتيبًا علميًا بتقديم حديث الزهري عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، ثم بحديث أبي حَصين عن أبي صالح عنه، وبعدهما حديث الأعمش عن أبي صالح عنه. ذلك بمقتضى الخصائص الإسنادية، وهي كما نلاحظها عند المقارنة بين أبي سلمة وأبي صالح، والمقارنة بين رواية أبي حصين والأعمش على النحو التالي - حيث إن أبا سلمة وأبا صالح هما الراويان عن أبي هريرة، وأبو حصين والأعمش هما الراويان عن أبي صالح:
حديث أبي سلمة عرف في بلده المدينة، حيث رواه عنه الإمام الزهري الذي تدور عليه أحاديث الحجاز، وهو أجلُّ من أبي حصين والأعمش، لأنه إمام محدث فقيه، وكذلك أبو سلمة بن عبد الرحمن شيخ الزهري في هذا الحديث محدث وفقيه.
وأما حديث أبي صالح فقد عرف في خارج بلده الكوفة، فقد رواه عنه أبو حَصين والأعمش الكوفيان، وأبو صالح هو ذكوان مدني.
قدم حديث أبي حصين على حديث الأعمش لأنه تسلسل إلى مسلم بالكوفيين - أبو بكر بن أبي شيبة وأبو الأحوص وأبو حصين جميعهم كوفيون، على أنه اشتهر فقد رواه عنه عدد من الرواة مثل أبي بكر بن أبي شيبة وقتيبة وسفيان، كما يبدو من التخريج والله أعلم. أما رواية الأعمش فليس كذلك، سمعه الإمام مسلم من إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المروزي، وبه فات له أن يكون إسناد الأعمش مسلسلًا بالكوفيين بل أصبح مدنيًا ثم كوفيًا ثم مروزيًا.
فهذه الخصائص الإسنادية لاحظناها عند المقارنة بين حديث أبي هريرة وأبي شريح، وبين الروايات عن أبي هريرة، وعرفنا أن هذه الأحاديث كلها مرتبة ترتيبًا علميًا بتقديم الأصح فالأصح، ولم يكن فيها شيء مما زعمه الأستاذ الفاضل.
أما قوله:"وحرملة بن يحيى قال فيه الحافظ:"صدوق"فهو من الطبقة الثانية"، فقول غريب عجيب، كيف يصح أن يقول هذا؟ وقد سبق قوله:"أبو خالد الأحمر الذي قال فيه الحافظ:"صدوق يخطىء"من الطبقة الثانية"كيف يتساوى من يخطىء ومن لا يخطىء؟ فهذا لا يصح على رأي الحافظ ولا على رأي مسلم.
أما الحافظ فيرى أن"صدوق يخطىء"ضعيف يصلح للاعتبار، و"صدوق"يحتج به فليسا متساويين. والإمام مسلم أدخل في الطبقة الثانية أمثال ليث بن أبي سليم وعطاء بن السائب ويزيد بن أبي زياد من الضعفاء الذين يصلحون للاعتبار لكونهم معروفين بالصدق والستر وتعاطي العلم، ولم يكن حرملة بن يحيى في درجة ليث بن أبي سليم ولا درجة عطاء بن السائب ويزيد بن أبي زياد عند الإمام مسلم، لأنه كان يحتج به في الأصول، ويصدر به الأبواب، فكيف يصح أن يقال:"إن حرملة في الطبقة الثانية عند مسلم"؟
هذا وحرملة بن يحيى المصري من أعلم الناس بحديث ابن وهب، يقدم على غيره في حديثه عن ابن وهب، وقد صرح ابن عدي بأنه جَرَّب حديثه وفتش الكثير منه ولم يجد فيه ما يجب أن يضعف من أجله.
أما كثرة الغرائب في رواياته عن ابن وهب فهي أمر طبيعي لملازمته ابن وهب ملازمة طويلة جعلته يكتب ويحفظ جميع أحاديثه، ولذا لم يعتبر أحد من الأئمة ما تفرد به عن ابن وهب منكرًا، وإن قال فيه أبو حاتم:"يكتب حديثه ولا يحتج به"، فإنه لم يوافقه أحد من الأئمة، بل وثقه العقيلي وابن حبان، وقال ابن معين:"شيخ لمصر يقال له حرملة كان أعلم الناس بابن وهب".
وقد وقع بينه وبين معاصره أحمد بن صالح المصري شيء من العداوة، فتكلم أحمد بن صالح فيه بما لم يدل على ضعفه، ولعل أبا حاتم بالغ في أمره، لكثرة غرائبه، والله أعلم.
فحرملة بن يحيى المصري ثقة في الطبقة الأولى، وأعلم الناس بحديث ابن وهب، كما يدل عليه صنيع الإمام مسلم في الصحيح، وليس كما زعمه الأستاذ الفاضل.
وأما قوله:"ثم أتبعه بحديث أبي هريرة وهو متفق عليه ثم ختم بحديث أبي شريح ورجاله من الطبقة الأولى وهو متفق عليه"فهو أعجب وأغرب مما سبق، لأن ظاهره أنه لم يكن حديث الزهري الذي قدمه مسلم وصدر به الباب مخرجًا في صحيح البخاري، وأن حديث أبي شريح الذي رواه نافع بن جبير مخرج في صحيح البخاري، وقد بينا سابقًا بعكس ما قاله. فالذي أخرجه البخاري في صحيحه هو حديث الزهري وحديث أبي حصين، أما حديث الأعمش وحديث نافع بن جبير لم يخرجا فيه.
(1) كتاب الإيمان باب الحث على إكرام الجار والضيف: 2/18 من شرح النووي .
(2) انظر: البخاري مع شرحه فتح الباري: 11/308 ، 10/533 .
(3) انظر رسالة"حق الجار"للحافظ الذهبي ص:12-15 .