فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 57

في ختام دراستنا هذه يجدر بنا أن نستخلص أهم النقاط العلمية التي حققناها أثناء هذا البحث:

أولًا: أن الإمام مسلمًا وضع في كتابه الصحيح منهجًا علميًا فريدًا من نوعه إذا ركز فيه على ترتيب الأحاديث في جميع أبوابها التي تضم أكثر من حديث، وذلك وفق مقتضى الخصائص الإسنادية والفوائد الحديثية التي تتوافر في كل حديث من تلك الأحاديث، فيصدر الأبواب بأصح ما عنده من أحاديثها.

وإن كنا قد وجدناه في مقدمته يصرح بتقديم أحاديث الطبقة الأولى على أحاديث الطبقة الثانية فإن ذلك لم يكن منه إلا على سبيل المثال، وإلا فقد تأكدنا أثناء دراستنا لأحاديثه على أن ترتيب الأحاديث غير مقصور على تلك الصورة التي صرح بها، بل الترتيب كان يشمل جميع أصناف الأحاديث التي يوردها في الأبواب حتى وإن كانت كلها من أحاديث الطبقة الأولى.

لقد رأيناه - رحمه الله - يرتب أحاديث الباب على مراحل، فإن كانت أحاديثه مروية عن غير واحد من الصحابة فيتم الترتيب أولًا بين الصحابة، ثم إن كان حديث كل منهم مذكورًا بأكثر من طريق فالترتيب يكون بين رواته الذين تدور عليهم تلك الطرق، ثم إذا أتى بأحاديث هؤلاء الرواة من طرق متعددة فلا يكون ذلك إلا على الترتيب بينها أيضًا، وهكذا كلما يذكر الإمام مسلم حديثًا في باب من الأبواب بطرق متعددة فإن الترتيب يكون على مراحل متفاوتة طبق ما بيَّنا.

ومن أهم الخصائص العلمية التي لاحظنا الإمام مسلمًا يعتمد عليها كثيرًا عند الترتيب هو شهرة الحديث بين ثقات الرواة وعلو إسناده عنده بكافة معاييره التي لا يطلع على كثير منها إلا نقاد الحديث، وينبغي اعتبار الأصحية والأفضلية التي يوصف بها الحديث هنا أمرًا نسبيًا لا مطلقًا، فقد يكون الحديث عند مسلم أصح باعتبار خاص له ولا يكون كذلك عند الإمام البخاري أو غيره من الأئمة.

ومن جملة الخصائص الإسنادية التي لفتت انتباهنا كثيرًا لدى شرح كيفية ترتيب الأحاديث في صحيح مسلم هو تسلسل الإسناد بأشكال متنوعة، وأما جودة المتن وكما سياقه فيعتبران من أهم أسباب التفاضل بين الروايات أيضًا في حالة ما إذا صح ذلك المتن، وقد وجدنا لها أمثلة أثناء الدراسة، وهناك أسباب كثيرة للتفضيل والترجيح بين المرويات يتوقف استجلاؤها والاقتناع بوجاهتها على إحاطة شاملة بجميع أسرار النقد ومنهج المحدثين النقاد في ترجيح الروايات وتصحيحها وتعليلها.

ومما ينبغي أن نشير إليه في هذه المناسبة أن ما كان يقدمه الإمام مسلم في الأبواب من الأحاديث ويُصدرها بها فقد نصادف الإمام مسلمًا ينص بأصحيته في موضع آخر مثل كتابه"التمييز"كما نصادف غيره من الأئمة يصرح بأصحيته، وهذا كله يزيد نتائج دراستنا قوة وقبولًا واعتمادًا، انظر على سبيل المثال الصفحات التالية من هذا البحث.

ولئن كان موضوع الترتيب قد استبان بوضوح من خلال دراستنا فإن موضوع بيان العلل في صحيح مسلم على سبيل الاستطراد، والذي لا يعتبر من خصائص منهج الإمام مسلم لكون ذلك من عادة الجميع من المؤلفين المحدثين، يعد ذلك نتيجة أخرى قد حققناها من خلال الدراسة.

ثانيًا: أننا استدللنا لهذا المنهج بما صرح به الإمام مسلم في مقدمته للصحيح، وبأقوال العلماء الكثيرين - مثل القاضي عياض، وأبي مسعود الدمشقي، وابن الصلاح، والنووي، وابن حجر، وابن رشيد الفهري، والسيوطي، والقسطلاني، وطاهر الجزائري، والمباركفوري وغيرهم - وإن كانت نصوصهم في هذا الصدد على شكل مجمل فإننا قد وجدنا ذلك المنهج بوضوح ومفصل أثناء دراستنا لجميع الأمثلة الحديثية التي اعتمد عليها الأستاذ لإنكار ذلك المنهج.

ثالثًا: أن الأستاذ قد افترأ عليَّ أمرين، قد استجلينا حقيقتهما من غير مساس لكرامته، وهما:

1 -أن الإمام مسلمًا التزم بيان العلل في صحيحه،

2 -وأن بيانه يتم عن طريق ترتيب الأحاديث.

ولم أقل - والله - شيئًا منهما على هذا الشكل، والذي قلته هو أن الإمام مسلمًا يرتب الأحاديث بتقديم الأصح فالأصح، وأنه يبين العلل في بعض المواضع من كتابه الصحيح على سبيل الاستطراد والندرة وليس مقصودًا بذاته.

ومن هنا نستبين أن ذينك الأمرين هما أساس كل التهم التي أجاد الأستاذ في إلصاقها بعقيدتي وأبدى مهارته الفائقة في إضفاء الشرعية لسعيه في سبيل ذلك، وفي كتابه بعض أساليب التجريح ومصطلحات السب والشتم لم أكن أعلم بها من قبل، وإني أسمعها - لسوء حظي - لأول مرة من الأستاذ، وقد تغاضينا عنها كلها في هذا البحث وصبرنا عليها وتحملنا آثارها المؤلمة إيمانًا واحتسابًا واحترامًا لعلمية الموضوع وإبقاء على صفائه ورجاء لنتفاع القارىء به. وهذا لم يمنعني أن أستفيد من جميع أخطائه وشبهاته في سبيل توضيح منهج النقد عند المحدثين وبلورة معالم علوم الحديث رواية ودراية من غير مساس لكرامته وتقليل لشأنه. وذلك أبلغ في البيان، ولله الفضل والمنة.

وكثير من المسائل العلمية التي حققناها في عديد من المناسبات العلمية التي مرت علينا في هذا المبحث لم تكن بارزة لعدم اهتمامي بتنويع العناوين وتفخيمها، ولهذا وضعنا فهارس مفصلة لمحتوى هذا البحث.

وزيادة الثقة وموقف المحدثين النقاد تجاهها من أهم تلك المسائل العلمية التي أوضحنا حقائقها بفضل الله تعالى، وله الحمد والشكر دائمًا وأبدًا.

ولولا رغبتي في تحريك همم طلبة الحديث نحو تعميقهم في فهم هذا العلم العظيم الذي دافع به سلفنا الصالح عن السنة النبوية - المصدر الثاني للشريعة الإسلامية - لما كتبت هذا البحث. والله أسأل أن يجعل هذا البحث عملًا صالحًا ينفعني والمسلمين، وأن يتقبله مني قبولًا حسنًا، وأن يتجاوز عني فيما أخطأت.

ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم.

والله من وراء القصد وهو ولي التوفيق، والحمد لله رب العالمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت