يقول ابن الصلاح - رحمه الله - في كتابه صيانة صحيح مسلم، ص: 90:"ذكر مسلم - رحمه الله - أولًا أنه يقسم الأخبار ثلاثة أقسام، الأول ما رواه الحفاظ المتقنون، والثاني ما رواه المستورون المتوسطون في الحفظ والإتقان، والثالث ما رواه الضعفاء والمتروكون (1) ، فإذا فرغ من القسم الأول أتبعه بذكر القسم الثاني، وأما الثالث فلا يعرج عليه، فذكر الحاكم وصاحبه البيهقي: أن المنية اخترمته قبل إخراج القسم الثاني، وذكر القاضي الحافظ عياض من المغاربة أن ذلك مما قبله الشيوخ. . .".
ثم علق عليه ابن الصلاح - رحمه الله - بقوله:
"كلام مسلم محتمل لما قاله عياض ولما قاله غيره، نعم روى بالتصريح عن إبراهيم بن محمد بن سفيان أنه قال:"أخرج مسلم ثلاث كتب من المسندات، واحد الذي قرأه على الناس، والثاني يدخل فيه عكرمة ومحمد بن إسحاق صاحب المغازي وضرباؤهما، والثالث يدخل فيه من الضعفاء وهذا مخالف لما قاله الحاكم (2) . والله أعلم"."
وهذا الاستدراك يدل على ميله إلى ما قاله القاضي، هذا وقد ذكر في مواضع أخرى ما يؤيد القاضي، مثلًا يقول ابن الصلاح في ص: 95 من صيانة صحيح مسلم:
"الثاني أن يكون ذلك واقعًا في الشواهد والمتابعات لا في الأصول، وذلك بأن يذكر الحديث أولًا بإسناد نظيف رجاله ثقات ويجعله أصلًا، ثم يتبع ذلك بإسناد آخر أو أسانيد فيها بعض الضعفاء على وجه التأكيد بالمتابعة أو لزيادة فيه تنبيه على فائدة فيما قدمه".
فهذا كلام صريح بأن الإمام مسلمًا يورد في صحيحه أحاديث الثقات متأصلًا بها، وأحاديث الضعفاء تابعًا لها، وأنه يرتبها حينئذ، فيذكر حديث الثقة أولًا ثم يذكر حديث الضعيف ثانيًا، هذا هو الترتيب الذي بينه الإمام مسلم في المقدمة، وحرره القاضي قبله.
وقال أيضًا في ص: 97 من صيانة صحيح مسلم:"أن يعلو بالشخص الضعيف إسناده، وهو عنده برواية الثقات نازل، فيذكر العالي ولا يطول بإضافة النازل إليه، مكتفيًا بمعرفة أهل الشأن بذلك، وهذا العذر قد رويناه عنه تنصيصًا، وهو على خلاف حاله فيما رواه أولًا عن الثقات ثم أتبعه بالمتابعة عمن هو دونهم، وكان ذلك وقع منه على حسب حضور باعث النشاط وغيبته. . .".
أشار ابن الصلاح أثناء كلامه إلى أن عادة الإمام مسلم في صحيحه هي ترتيب الأحاديث حسب القوة والسلامة إذ قال:
"وهو على خلاف حاله فيما رواه أولًا عن الثقات، ثم أتبعه بالمتابعة عمن هو دونهم. . .".
(1) إن كانت الواو في قوله: (والمتروكون) للعطف على قوله (الضعفاء) ففيه نظر لأن الضعفاء غير المتروكين لم يطرح الإمام مسلم أحاديثهم، ولعل الصواب أن الواو للتفسير، والله أعلم .
(2) صيانة حديث مسلم لابن الصلاح ص: 90 .