قال الإمام مسلم - رحمه الله - في كتاب الحيض باب استحباب استعمال المغتسلة من الحيض فرصة من مسك 4/13 (شرح النووي) :
1 -حدثنا عمرو بن محمد الناقد وابن أبي عمر جميعًا، عن ابن عيينة، قال عمرو"وحدثنا سفيان"، عن منصور بن صفية، عن أمه، عن عائشة قالت: سألت امرأة النبي صلى الله عليه وسلم: كيف تغتسل من حيضتها؟ قال: فذكرت أنه علَّمها كيف تغتسل، ثم تأخذ فِرْصَة من مسك فتَطَهَّر بها، قالت: كيف أتطهر بها؟ قال: تطهري بها، سبحان الله! واستتر - وأشار لنا سفيان بن عيينة بيده على وجهه - قال قالت عائشة:"واجتذبتها إلي، وعرفت ما أراد النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت:"تتبعي بها أثر الدم"، وقال ابن أبي عمر في روايته: فقلت: تتبعي بها آثار الدم."
2 -وحدثني أحمد بن سعيد الدارمي، حدثنا حبَّان، حدثنا وُهيب، حدثنا منصور، عن أمه، عن عائشة أن امرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم: كيف أغتسل عند الطهر؟ فقال: خذي فرصة ممسكة فتوضئي بها، ثم ذكر نحو حديث سفيان.
3 -حدثنا محمد بن المُثنى وابن بشار، قال ابن المثنى: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن إبراهيم بن المهاجر قال: سمعت صفية تحدث عن عائشة أن أسماء سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن غسل المحيض. . . (ساق مسلم الحديث) .
4 -وحدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا أبي حدثنا شعبة في هذا الإسناد نحوه، وقال: قال:"سبحان الله! تطهري بها"واستتر.
5 -وحدثنا يحيى بن يحيى وأبو بكر بن أبي شيبة كلاهما عن أبي الأحوص عن إبراهيم بن مهاجر، عن صفية بنت شيبة، عن عائشة قالت: دخلت أسماء بنت شَكَل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، كيف تغتسل إحدانا إذا طهرت من الحيض؟ - وساق الحديث - ولم يذكر فيه"غسل الجنابة".
يقول الأستاذ:"صدر مسلم هذا الباب بإسناد فيه منصور بن صفيه، عن أمه، عن عائشة، ومنصور هو ابن عبد الرحمن الغَدَّاني صدوق يهم، ثم عقبه بإسناد آخر، فيه منصور أيضًا، ثم عقب ذلك بثلاث طرق مدارها على إبراهيم بن مهاجر البَجَلي، صدوق ليِّن الحفظ، فالحديث صحيح لغيره، فقد تحقق هدف مسلم برجال الطبقة الثانية، حيث لم يجد في الباب من رجال الطبقة الأولى".
أقول: إن الإمام مسلمًا أورد هنا حديثًا صحيحًا وثابتًا عن صفية، عن عائشة من طريقين: طريق ابنها منصور، وطريق إبراهيم بن مهاجر، ورتب بينهما، فقدم طريق منصور على طريق إبراهيم بن مهاجر لأن منصورًا من رجال الطبقة الأولى، وإبراهيم من رجال الطبقة الثانية كما وعد في المقدمة.
منصور بن صفية الذي رواه عن صفية هو ابن عبد الرحمن بن طلحة بن الحارث بن طلحة بن أبي طلحة بن عبد العزى القرشي العبدري المكي، رجل ثقة من رجال الشيخين، ومن الطبقة الأولى عند الإمام مسلم، والغداني الذي فهمه الأستاذ غيره.
ولما تسرع الأستاذ في الدراسة تداخل عليه الرواة، فجعل الراوي الضعيف مكان الراوي الثقة ووهم في دعواه: إن مسلمًا صدر هذا الباب بإسناد فيه منصور بن صفية وهو ابن عبد الرحمن الغدَّاني، صدوق يهم، وكان الأولى به أن يتثبَّت في الحكم، وإلا فالسنة ليست بحاجة إلى مثل هذه الدراسة السطحية.
وأما إبراهيم الذي ختم الباب بحديثه فهو ضعيف في الطبقة الثانية، وهو مثل عطاء بن السائب، غير أن إبراهيم أصاب في حديثه عن صفية، ولم يخطىء؛ لأنه وافقه منصور بن عبد الرحمن، ولهذا حدث عنه شعبة هنا مع غمزه إبراهيم، فإن شعبة لا يروي عن شيخ حديثًا إلا إذا تأكد أنه أصاب فيه.
وحديث منصور هذا مما اتفق معه البخاري على روايته في مواضع من صحيحه معتمدًا عليه ومحتجًا به (1) .
ثم إنه - رحمه الله - رتب حديث منصور فذكر أولًا حديث ابن عيينة ثم ثانيًا حديث وهيب، لأن الأول عال، تسلسل بالمكيين إلى الإمام مسلم، ابن أبي عمر وابن عيينة ومنصور كلهم مكيون، ولم تكن لحديث وهيب شيء من هذه الخصائص الإسنادية، لأنه تنازل ووهيب مصري.
كذلك رتب مسلم أحاديث إبراهيم، فقد حديث شعبة على حديث أبي الأحوص لأن شعبة أوثق منه، ثم رتب أيضًا أحاديث شعبة فقدم حديث محمد بن جعفر، عن شعبة على حديث معاذ العنبري، عن شعبة لأن الأول عال والثاني نازل. والله هو الموفق.
(1) انظر صحيح البخاري مع الفتح 1/414، 416، 13/330، والحديث فيه من طريق ابن عيينة ووهيب.