فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 57

أما المثال الثاني فهو حديث المغيرة بن شعبة في مسح الناصية والعمامة والخفين، ذكره الأستاذ ليوضح أن مسلمًا بدأ هذا الباب بحديث معلول أعله الدارقطني، وختمه بحديث رجاله من الطبقة الأولى مما يدل على أنه لم يعط للترتيب اهتمامًا.

فأقول: أورد مسلم في موضوع المسح على مقدم الرأس، وعلى العمامة والخفين أربعة أحاديث، ثلاثة منها عن المغيرة، والرابع عن بلال، فقد حديث المغيرة على حديث بلال لأنه أصح، مع أن حديث بلال قد ورد فيه خلاف كثير ذكره الدارقطني في العلل، وساق حديث المغيرة من طريقين: طريق حميد، وسليمان، وأورد حديث سليمان من طريقين: طريق المعتمر ويحيى بن سعيد.

فذكر أولًا حديث حميد الطويل، ثم حديث المعتمر، وبعدهما حديث يحيى بن سعيد، مراعيًا في ذلك الترتيب العلمي بحسب الخصائص الإسنادية، منها العلو والنزول، وجودة السياق، أما العلو والزول فإن حديث حميد والمعتمر عاليان، وحديث البقية نازل، وأما جودة السياق فكان لفظ حميد تامًا، والأحاديث الأخرى فمختصرة جدًا.

يلاحظ فيما ساقه مسلم ثلاثة أمور، هي:

أولًا: وقع في حديث حميد الطويل (عروة بن المغيرة) مصرحًا باسمه، بينما هو في الروايات الأخرى (ابن المغيرة) مبهمًا.

ثانيًا: تلتقي جميع الطرق عند بكر بن عبد الله.

ثالثًا: روى بكر بن عبد الله عن ابن المغيرة مباشرة، وعن الحسن عن ابن المغيرة بالواسطة.

وهذان الإسنادان ليس فيهما كلام، وهما ثابتان، لأنه قد صرح بكر بن عبد الله أنه سمعه من ابن المغيرة، فالحسن في الرواية الأخيرة مزيد في متصل الأسانيد على اصطلاح المحدثين.

خلاصة ما في الأمر الأول، أن بكر بن عبد الله لم يحدث عن عروة بن المغيرة هذا الحديث، وإنما حدث عن ابن المغيرة، واسمه حمزة، فذكر عروة في حديث بكر وهم وخطأ، كما صرح به النقاد، لكنهم اختلفوا من الخاطىء فيه، يرى بعضهم أنه مسلم، ويرى الآخر أنه شيخه محمد بن عبد الله بن بزيغ.

والصواب - فيما أرى - أن الخطأ وقع من الإمام مسلم، ولعله سبق لسان منه دون أن يشعر به، لأنه كان يحفظ حديث بكر بن عبد الله كما يحفظه الآخرون، وسمعه من شيخه محمد بن عبد الله بن بزيغ على الصواب عن ابن المغيرة، وليس عن عروة بن المغيرة.

والدليل على ذلك ما ساقه مسلم في كتابه التمييز ص: 154 - 156 من الروايات العديدة عن المغيرة، وقد استوعب فيه أكثر مما أورده هنا في الصحيح ليشرح العلة التي وقعت في المتن، ومن جملة الروايات رواية بكر بن عبد الله التي نحن بصدد تحقيقها، أطلق فيها مسلم بقوله:"وبكر عبد الله عن ابن المغيرة، عن المغيرة، وسليمان التيمي، عن بكر، عن الحسن، عن ابن المغيرة بن شعبة، عن أبيه".

ذلك لأنه لو كان يحفظ هذا الحديث عن شيخه محمد بن عبد الله بن بزيغ مخالفًا للناس في قوله:"عروة بن المغيرة"بدل"ابن المغيرة"لما أطلق القول هكذا"وبكر بن عبد الله، عن ابن المغيرة"، بل ساقه كما سمعه من شيخه محمد بن عبد الله بن بزيغ، وما سمعه من غيره، ليشرح ما بينهما من خلاف، ألا تراه يشرح ما في حديث بكر بن عبد الله من ذكر الواسطة وعدمها؟

يعني هذا أنه كان يحفظ من شيخه محمد حديث بكر كما يحفظه الناس على الصواب، لكن حين روى هذا الحديث في الصحيح كأن لسانه سبق إلى"عروة"بدل أن يقول"ابن المغيرة"، دون أن يشعر به، كما وقع ذلك في حديث"سبعة يظلهم الله"، إذ ذكر فيه:"حتى لا تعلم ما تنفق شماله"بدل أن يقول:"حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه".

وعلى ذلك فإن الإمام مسلم لم يقدم حديث حميد الطويل مع علمه بالخطأ الذي وقع منه، بل صدر به الباب معتقدًا بأنه على الصواب، وبهذا يتضح فساد قول الأستاذ"أورد مسلم في أول الباب حديثًا أعله غيره من لانقاد ولو كان مسلم - رحمه الله - أعطى للترتيب هذا الاهتمام لعاتب هؤلاء المحدثون"ولا يستقيم له هذا إلا إذا أثبت أن الإمام مسلمًا أعله أيضًا، والله أعلى وأعلم، والحمد لله رب العالمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت