فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 57

أما أن نفهم من قول الدارقطني في كتابه التتبع أن الإسناد منقطع فهمًا مباشرًا فأمر غير سليم في ضوء الواقع النقدي.

ويبدو من صنيع الإمام مسلم أنه يرى صحة رواية يحيى وأنها متصلة، وأن رواية معاوية بن سلام لم تعد مخالفة لها حيث إن زيد بن سلام حدث على الوجهين جميعًا، ولهذا ذكر هذا الحديث من طريق يحيى على سبيل الاعتماد والاحتجاج دون أن يذكر له متابعًا ولا شاهدًا.

وعلى كل حال فالذي يهمنا هنا هو النظر في إسناد هذا الحديث أمتصل هو أم منقطع؟ وقد ذهب كثير من المتأخرين، مثل الحافظ العلائي، وابن رجب الحنبلي، والنووي، وابن القطان الفاسي وغيرهم، إلى أن سند يحيى منقطع، بناءً على ما قاله الإمام الدارقطني في كتابه التتبع والذي سبق نقله بنصه.

وقد أوضحنا سابقًا أن قول الإمام الدارقطني هذا مبهم في إفادة الانقطاع وصريح في دلالته على وجود مخالفة بين يحيى بن أبي كثير ومعاوية بن سلام في ذكر الواسطة بين أبي سلام وبين أبي مالك الأشعري، يعني ماذا قال أبو سلام هل قال عن أبي مالك مباشرة؟ أم عن عبد الرحمن بن غنم عن أبي مالك بواسطة؟

وهنا لم يرجح الإمام الدارقطني هذا ولا ذاك، فمقصوده بهذا بيان المخالفة بين يحيى بن أبي كثير ومعاوية بن سلام، لا بيان الانقطاع، ولا يعرف الانقطاع إلا ببحث مستقل كما أشرنا إليه سابقًا.

ومن المتأخرين من أيد الانقطاع بأن أبا مالك الأشعري قديم الوفاة، لم يلقه أبو سلام الشامي، وتوفي أبو مالك الأشعري في عهد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كما ذكره الإسناد.

لكن يظهر من صنيع الإمام مسلم أنه يرى صحة السند وأنه لا يشوبه شيء من الانقطاع، وقد أورد مسلم بهذا السند حديثين صحيحين، أحدهما هذا الحديث، والثاني حديث:"أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن، الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم. . ."في كتاب الجنائز 6/235 (شرح النووي) .

وإسناد الحديث الثاني كان صريحًا في سماع أبي سلام من أبي مالك الأشعري، حيث قال مسلم:

"حدثنا أبو أبكر بن أبي شيبة، حدثنا عفان، حدثنا أبان بن يزيد ح، وحدثني إسحاق بن منصور - واللفظ له - أخبرنا حبان بن هلال، حدثنا أبان، حدثنا يحيى أن زيدًا حدثه، أن أبا سلام حدثه، أن أبا مالك الأشعري حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال. . .".

وهذا الحديث لم ينتقده أحد من النقاد، بل هو صحيح صححه الإمام البغوي في شرح السنة 1/319 و 5/436. وبه يحتج على سماع أبي سلام من أبي مالك الأشعري.

وعليه فأبو مالك الأشعري اثنان أحدهما متقدم والآخر متأخر، وإليه ذهب بعض الأئمة، ويرى بعضهم أن أبا مالك صاحب أبي سلام اسمه الحارث بن الحارث الأشعري.

قال الحافظ في تهذيبه:"أبو مالك الأشعري الذي روى عنه أبو سلام وشهر بن حوشب ومن في طبقتيهما هو الحارث بن الحارث الأشعري وتأخرت وفاته، وأما أبو مالك الأشعري فهو آخر قديم الوفاة، مات في خلافة عمر - رضي الله عنه. وذهب أبو نعيم إلى أنهما واحد إذ أنه ذكر في الرواة عن الحارث الأشعري جماعة ممن يروي عن أبي مالك الأشعري، إلا أن ابن الأثير قال: والصواب أنه غيره، وأكثر ما يرد غير مكنى، وقد فرق بينهما كثير من العلماء، منهم أبو حاتم وابن معين وغيرهما، وعلى هذا فيرد على المزي كونه لم يذكر أن مسلمًا روى للحارث بن الحارث هذا".

قلت: إن الطبراني أيضًا ذهب إلى أنهما واحد، وأن اسمه الحارث بن الحارث الأشعري، إذ أورد الإمام الطبراني في معجمه الكبير 3/284 حديث:"الطهور شطر الإيمان"من طريق يحيى بن أبي كثير ومعاوية بن سلام تحت ترجمة الحارث بن الحارث الأشعري، بينما يرى الدارقطني خلافه، لأنه ذكر الحارث بن الحارث في أسماء الصحابة الذين لم يورد لهم مسلم أحاديثهم (انظر الإلزامات ص: 100) .

والصواب الذي نجزم به هو أنهما اثنان بناء على الحديث الصحيح الذي ذكرناه آنفًا، سواء أقلنا: إن أبا مالك الذي روى عنه أبو سلام اسمه الحارث أم أنه لا يعرف اسمه. وذكر الإمام مسلم لهذا الحديث على سبيل الاحتجاج لم يكن منه إلا على أساس ثبوت سماع أبي سلام من أبي مالك الأشعري عنده من خلال تصريح أبي سلام بذلك في حديثه الثاني.

وأما ما رواه معاوية بن سلام بذكر الواسطة بين أبي سلام وأبي مالك الأشعري فيحمل على أن أبا سلام سمعه من أبي مالك مباشرة، ثم سمعه من عبد الرحمن بن غنم، عنه، كما ذهب إليه الإمام النووي. والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت