قال الإمام مسلم - رحمه الله - في كتاب الطهارة، باب وجوب غسل الرجلين بكمالهما 3/127 - 131 (شرح النووي) .
1 -حدثنا هارون بن سعيد الأيلي، وأبو الطاهر وأحمد بن عيسى، قالوا: أخبرنا عبد الله بن وهب، عن مَخْرَمة بن بُكَيْر، عن أبيه، عن سالم مولى شدَّاد قال: دخلت على عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم يوم توفي سعد بن أبي وقاص، فدخل عبد الرحمن بن أبي بكر فتوضأ عندها، فقالت:"يا عبد الرحمن أسبغ الوضوء، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"ويل للأعقاب من النار"".
2 -وحدثني حرملة بن يحيى، حدثنا ابن وهب، أخبرني حَيْوَة، أخبرني محمد بن عبد الرحمن أن أبا عبد الله مولى شدَّاد بن الهاد حدثه أنه دخل على عائشة، فذكر عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله.
3 -وحدثني محمد بن حاتم وأبو مَعْن الرَّقاشي، قالا: حدثنا عمر بن يونس، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثني يحيى بن أبي كثير قال: حدثني، أو حدثنا أبو سلمة بن عبد الرحمن، حدثني سالم مولى المَهْرِي قال: خرجت أنا وعبد الرحمن بن أبي بكر في جنازة سعد بن أبي وقاص فمررنا على باب حُجرة عائشة فذكر عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.
4 -حدثني سلمة بن شَبيب، حدثنا الحسن بن أعْين، حدثنا فُلَيْح، حدثني نُعَيْم بن عبد الله، عن سالم مولى شداد بن الهاد قال: كنت أنا مع عائشة - رضي الله عنها - فذكر عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله.
5 -وحدثني زهير بن حرب، حدثنا جرير ح، وحدثنا إسحاق، أخبرنا جرير، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن أبي يحيى، عن عبد الله بن عمرو قال: رجعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة حتى إذا كنا بماءٍ بالطريق تعَجَّل قوم عند العصر فتوضؤوا وهم عِجالٌ فانتهينا إليهم وأعقاب تلوح لم يمسَّها الماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ويل للأعقاب من النار، أسبغوا الوضوء".
6 -وحدثناه أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع، عن سفيان ح، وحدثنا ابن المثنى وابن بشار، قالا: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة كلاهما عن منصور بهذا الإسناد، وليس في حديث شعبة"أسبغوا الوضوء"، وفي حديثه:"عن ابن يحيى الأعرج".
7 -حدثنا شَيْبان بن فرُّوخ وأبو كامل الجَحْدَري جميعًا عن أبي عوانة، قال أبو كامل: حدثنا أبو عوانة، عن أبي بِشْر، عن يوسف بن ماهَكَ، عن عبد الله بن عمرو قال: تخلف عنا النبي صلى الله عليه وسلم في سفر سافرناه فأدرَكَنا وقد حضرت صلاة العصر فجعلنا نمسح على أرجلنا فنادى:"ويل للأعقاب من النار".
8 -حدثنا عبد الرحمن بن سلاَّم الجُمحي، حدثنا الربيع - يعني ابن مسلم - عن محمد - وهو ابن زياد - عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا لم يغسل عقبيه فقال:"ويل للأعقاب من النار".
9 -حدثنا قتيبة وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو كريب فقالوا: حدثنا وكيع عن شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة أنه رأى قومًا يتوضؤون من المِطْهَرة، فقال:"أسبغوا الوضوء"فإني سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول:"ويل للأعقاب من النار".
10 -حدثني زهير بن حرب، حدثنا جرير عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ويل للأعقاب من النار".
هذه مجموعة من الأحاديث تتفق في الموضوع، تدور على ثلاث روايات: رواية عائشة ورواية عبد الله بن عمرو ورواية أبي هريرة، مرتب بينها على ما قرره مسلم فيما سبق، إذ قدم حديث عائشة وصدر به الباب، ثم أتبعه بحديث عبد الله بن عمرو، ثم بحديث أبي هريرة، وعليه فحديث عائشة أصح وأسلم، ويليه حديث عبد الله بن عمرو، فحديث أبي هريرة.
لكن من اكتفى بكتاب تقريب التهذيب ومثله، ولم ينظر في الأحاديث نظرة نقدية متبحرة فلا يجوز له أن يصدر الأحكام بشكل قطعي، بل الأجدر به أن يقول: لم أقف على سر تقديم حديث وتأخير غيره وإلا جاءت أحكامه موافقة لهواه وبعيدة عن الصواب، انظر إليه يقول:
"صدر مسلم هذا الباب بحديث عائشة - رضي الله عنها - من طريق مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن سالم مولى شداد. . . ومخرمة من رجال الدرجة الثانية، قال الحافظ فيه:"صدوق"، روايته عن أبيه وجادة من كتابه، قاله أحمد وابن معين وغيرهما، وقال ابن المديني: سمع من أبيه قليلًا، وفيه سالم مولى شداد"صدوق"كما قال الحافظ، فهو من الثانية، ثم أورده من طريق ثالث فيها عكرمة بن عمار بن يحيى بن أبي كثير، وعكرمة بن عمار صدوق يغلط، وفي روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطراب، وفيها سالم مولى المَهْريين، وهو الأول مولى شداد".
"ثم أورده من طريق رابع فيه الحسن بن محمد بن أعين، صدوق، وفيه فليح بن سليمان الخزاعي صدوق كثير الخطأ، عن سالم مولى شداد، ثم أورده مسلم - رحمه الله - من ثلاث طرق مدارها على مصدع الأعرج، قال فيه الحافظ:"مقبول"، وقال الذهبي في الكاشف:"صدوق"."
"ثم أورده من طريق رجالها من الدرجة الأولى، وهم شيبان بن فروخ وأبو كامل الجحدري، عن أبي عوانة، عن أبي بشر جعفر بن إياس (ثقة) ، عن يوسف بن ماهك، عن عبد الله بن عمرو بن العاص بلفظ:"ويل للأعقاب من النار"وهو حديث متفق عليه أخرجه البخاري في الوضوء، وقال: حدثنا موسى عن أبي عوانة، عن أبي بشر به".
"ثم أورده من طريقين في أولاهما عبد الرحمن بن سلام الجمحي، قال الحافظ فيه:"صدوق" وسكت عنه الذهبي. وثانيهما رجالهما من الطبقة الأولى، قتيبة وأبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قالوا: حدثنا وكيع عن شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة بلفظ:"ويل للأعقاب من النار"، وهو من الأحاديث المتفق عليها، أخرجه البخاري عن آدم بن أبي إياس، عن شعبة به، وبهذه السياقة لهذا الحديث وأمثاله تبخرت أسطورة الترتيب والأرقام وتبددت الخرافات والأوهام".
"ثم ختم الباب بحديث أبي هريرة هذا من طريق سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، وهل ضر ذلك مسلمًا أو أخل بشرطه؟ كلا، إن أصل أحاديث الباب حديثا عبد الله بن عمرو وحديث أبي هريرة اللذين رويا برجال من الطبقة الأولى وما عداهما من الأحاديث التي رويت من طريق رجالهما من الطبقة الثانية إلا ليزداد الحديث قوة خصوصًا وهو من المتفق عليه، فيصل بهذه الطرق إلى الشهرة القريبة من التواتر، هكذا يجب أن نفهم ولا يجوز أن نقول: قدم الأول لأنه أصح الطرق وأسلمها وما أخر البقية إلا لأنه أدرك فيها شيئًا أو علة أو لسبب آخر". انتهى قول الأستاذ.
أقول: إن تعجب فعجب قوله هذا، وأعجب منه أنه لم يأت عليه بدليل ملزم، وذلك إن دل على شيء فإنما يدل على مدى اغتراره بنفسه وعلمه وبحثه.
إلا أنه ينبغي علينا أن نكشف الخصائص الإسنادية التي راعاها مسلم في ترتيب الأحاديث فإنه جدير بالكشف حقيق بالبيان ليعيه أصحاب العقول السليمة، ويعتبر به المشتغلون في علم الرجال.
فحديث عائشة الذي قدمه مسلم، وصدر به الباب، كان أشهر الأحاديث التي أوردها في هذا الباب. قد اشتهر عن سالم مولى شداد المدني إذ رواه عنه جماعة من المدنيين مثل بكير الأشج وحميد بن عبد الرحمن، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، ونعيم بن عبد الله، ثم اشتهر عنهم برواية المصريين وغيرهم.
وقد أورد الإمام مسلم هذه الروايات كلها حسب الترتيب العلمي كما سنبينه فيما بعد - إن شاء الله تعالى - ولم نجد في هذا الباب حديثًا اشتهر برواية المدنيين له عن المدني بعد الصحابي إلا حديث عائشة الذي صدر به مسلم هذا الباب، على أن الرواة عن سالم مولى شداد لم يقع بينهم اختلاف في سياق الحديث، كما وجدنا في رواية عبد الله بن عمرو من ذكر كلمة"وأسبغوا الوضوء"من قول النبي صلى الله عليه وسلم تارة وبدونها تارة أخرى.
أما حديث عبد الله بن عمرو فقد أخذه عنه أبو يحيى الأعرج ويوسف بن ماهك، وهما حجازيان لكن الحديث لم يشتهر عنهما شهرة حديث عائشة، إذ روى عن أبي يحيى الأعرج المدني هلال بن يساف الكوفي، وكذا حديث يوسف بن ماهك الذي شاركه أبو يحيى الأعرج فقد سمعه منه أبو بشر البصري، بيد أن حديث عبد الله بن عمرو اشتهر في الطبقات المتأخرة، وجمع الإمام مسلم بين رواية جرير وشعبة من حديث عبد الله بن عمرو مراعيًا فيها الترتيب العلمي.
وحديث أبي هريرة الذي ثلث به مسلم فلم يشتهر عنه شهرة حديث عائشة، وقد رواه عنه محمد بن زياد وأبو صالح - هما مدنيان - غير أنه لم يكن مشهورًا عنهما في المدينة، كما اشتهر حديث سالم عن عائشة الذي صدر به الباب، وروى عن محمد بن زياد كل من الربيع بن مسلم وشعبة البصريان، وروى عن أبي صالح ابنه سهيل - وهو مدني - ورواه عنه جرير الكوفي.
والذي يتبلور من هذه المقارنة بين أحاديث عائشة وعبد الله بن عمرو وأبي هريرة أن حديث عائشة هو الذي اشتهر برواية المدنيين ثم برواية المصريين وغيرهم من شيوخ الإمام مسلم مما يجعله أصح وأسلم أحاديث الباب، ومن هنا نقف على أمور علمية غامضة كان يراعيها الإمام مسلم في الترتيب.
أما الترتيب في الروايات عن عائشة التي جمع الإمام مسلم بينها فهو بتقديم حديث بكير ثم بحديث محمد بن عبد الرحمن بعدهما حديث أبي سلمة وحديث نعيم بن عبد الله، مراعيًا فيه اللطائف الإسنادية، والميزات العلمية التي تبرز بالمقارنة بينها.
فحديث بكير الذي في أول الباب هو أشهر بالنسبة إلى بقية الروايات وأقواها، لأن رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن ونعيم بن عبد الله جاءتا من طريق عكرمة بن عمار وفليح بن سليمان وهما ممن تكلم فيهم العلماء الناقدون.
ومع ذلك فإن إسناد بكير إسناد مدني ثم مصري وكذا الإسناد الثاني، وأما إسناد أبي سلمة بن عبد الرحمن فهو إسناد مدني ثم يمامي ثم عراقي، وإسناد نعيم بن عبد الله فمدني ثم حراني ثم نيسابوري، فثبت به أيضًا أن حديث بكير أولى من غيره، كل هذا يدل على عظيم دقة الإمام مسلم وبالغ تيقظه في الرواية.
أما الترتيب في الروايات عن عبد الله بن عمرو فظاهر بالمقارنة بينها، لقد قدم مسلم رواية أبي يحيى الأعرج على رواية يوسف بن ماهك لأنها أشهر من الثانية، فقد جاء حديثه من طريق جرير وسفيان وشعبة، وإن كانت رواية يوسف بن ماهك عالية.
ثم رتب بين أحاديث أبي يحيى الأعرج، فذكر حديث جرير أولًا ثم حديث سفيان، بعده حديث شعبة لفوائد إسنادية، فحديث جرير عالٍ، حيث كان بين مسلم وبين منصور الذي تدور عليه الطرق راويان، دون حديث سفيان وشعبة، فإنهما نازلان، إذ أن بين مسلم وبين منصور في هاتين الروايتين ثلاثة رواه، وقدم حديث سفيان على حديث شعبة لأن الأول مسلسل بالكوفيين - منصور وسفيان ووكيع وأبو بكر بن أبي شيبة كلهم كوفيون - وأما الثاني فإسناده كوفي ثم بصري.
وأما حديث يوسف بن ماهك فهو أقل شهرة من حديث أبي يحيى الأعرج فرواه عن يوسف بن ماهك أبو بِشْر جعفر بن إياس البصري، ثم رواه عنه أبو عوانة الواسطي، ثم رواه عنه شيبان بن فروخ الأيلي - وهو بمصر - وأبو كامل الجحدري البصري، فأصبح الإسناد مدنيًا ثم بصريًا ثم واسطيًا ثم مصريًا وبصريًا، ومن هنا أخره مسلم.