فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 57

وبقي لنا في هذا الباب حديث أبي هريرة الذي ذكره آخر الباب، وهو معروف برواية محمد بن زياد ورواية أبي صالح، وراعى الإمام مسلم هنا أيضًا أمورًا علمية للترتيب، فقدم مسلم رواية محمد بن زياد على رواية أبي صالح لأن الأولى أشهر بالنسبة إلى الثانية فقد رواها عنه الربيع بن مسلم وشعبة بن الحجاج، أما الثانية فقد رواها عنه سهيل.

ثم إنه رتب أيضًا أحاديث محمد بن زياد فقدم حديث الربيع بن مسلم لأنه عال باعتبارين، الاعتبار الأول هو قلة العدد لأن الرواة فيه أربعة، أما إسناد البقية فنازل لأن الرواة فيه خمسة، والاعتبار الثاني هو القرب إلى محمد بن زياد الذي يدور عليه الحديث الأول والثاني، برقم 8، 9، فإن الأول قرب فيه الإمام مسلم إلى محمد بن زياد بواسطتين، أما الثاني ففيه ثلاثة من الرواة شعبة ووكيع وشيوخ مسلم.

فهذه هي الخصائص الإسنادية التي وجدناها في هذه المجموعة من الأحاديث، وتدل على أن مسلمًا - رحمه الله - رتبها مراعيًا فيه لتلك الخصائص الإسنادية.

أما ما قاله الأستاذ:"صدر مسلم هذا الباب بحديث عائشة - رضي الله عنها - من طريق مخرمة، ومخرمة من رجال الدرجة الثانية قال الحافظ فيه: صدوق روايته عن أبيه وجادة من كتابه، قاله أحمد وابن معين وغيرهما، وقال ابن المديني سمع من أبيه قليلًا"، فأقول: هذا الإطلاق مقيد بما فصله ابن عدي:"عند ابن وهب وغيره عنه أحاديث حسان مستقيمة"، ولهذه الحقيقة اختار مسلم ما رواه ابن وهب عنه، وبما أن مسلمًا كان يختار رواية صحيحة وسليمة من العلل، فمثل الكلام الذي أرسله الأستاذ لا بد أن يطرح.

وقول الحافظ بأنه صدوق، لا يدل على أنه من الدرجة الثانية عند مسلم كما سبق تحريره، بل إنه ثقة من الطبقة الأولى حسب تقسيمه للرواة، كما يدل عليه صنيعه في الصحيح، هذا وقد وثقه أحمد ومالك وعلي بن المديني، بل سوى بينه وبين يحيى بن سعيد، وكذا وثقه أحمد بن صالح وابن سعد، ولا يوجد في مروياته ما يجعله في الدرجة الثانية سوى ما قالوا في روايته عن أبيه، وغايته أنها وجادة، وقد صحح ابن عدي وغيره أحاديثه التي رواها ابن وهب وغيره، وماذا يمنع أن يكون الرجل عند مسلم ثقة؟

وقول الأستاذ:"وفيه سالم مولى شداد، صدوق، كما قال الحافظ، فهو من الثانية"كالسابق، كالسابق لأنه ثقة عند الإمام مسلم كما يدل عليه صنيعه، وقد وثقه ابن حبان والعجلي.

ثم قال الأستاذ:"ثم أورده من طريق ثالث فيها عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير وعكرمة صدوق يغلط، وفي روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطراب، ثم أورده من طريق رابع فيه الحسن بن محمد بن أعين صدوق، وفيه فليح بن سليمان الخزاعي صدوق كثير الخطأ"قلت: وضعه مسلم في مكانه الذي يستحق كما بينت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت