فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 57

يرتب الإمام مسلم - رحمه الله تعالى - الأحاديث في معظم أبواب كتابه"المسند الصحيح"ترتيبًا علميًا، حسب الخصائص الإسنادية والحديثية التي تتوافر في كل حديث منها، سالكًا في ذلك منهجًا علميًا فريدًا، يمتاز به كتابه الصحيح عن سائر الكتب الحديثية، حتى عن صحيح الإمام البخاري، ولهذا مال بعض الأئمة إلى ترجيح صحيح مسلم على صحيح البخاري.

فلما كانت الخصائص الإسنادية التي تجعل الأحاديث أصح وأسلم كثيرة فقد اختصرت على ذكر الأشهر والأهم منها.

منها: أن يكون رواة الحديث كلهم من أهل الإتقان والضبط، فتقدم أحاديثهم على أحاديث من دونهم منزلة، سواء أكان هؤلاء من الرواة من أهل الطبقة الأولى أم من أهل الطبقة الثانية (1) . ومن البدهي أن الثقات تتفاوت مراتبهم وأحوالهم باختلاف الشيوخ والأماكن والأوقات.

ومنها: الشهرة، فيفضل الحديث الذي اشتهر بين الثقات على الحديث الذي لم يشتهر، وإن كان هذا الحديث الذي لم يشتهر من رواية الأوثق والأثبت.

ومنها: العلو (2) ، فيقدم الحديث العالي على الحديث النازل.

ومنها: التسلسل، كأن يكون رواة الحديث كلهم من أهل بلد واحد، أو قبيلة واحدة، فيقدم الحديث الذي تسلسل بها على غيره، أو أن يكون الرواة كلهم ممن اشتهر بحفظ الحديث وفقهه، فيقدم أحاديثهم المسلسلة بذلك على غيرها.

ومنها: كون الحديث خاليًا من جميع الأمور التي تعكر صفاء صحته، فيقدم الحديث الصحيح الخالي من العلة على الحديث الذي اختلف في صحته، أو الحديث المعلول (3) .

فإذا استوفى حديث من الأحاديث هذه الخصائص الإسنادية وغيرها من المرجحات التي لا تحصى فيكون ذلك الحديث أسلم وأنقى من غيره، وترتيب الإمام مسلم للأحاديث مبني على مدى تميزها بالخصائص الإسنادية والحديثية، ولا يعني هذا أن الإمام مسلمًا يذكر في كل باب من أبواب مسنده الصحيح عدة أحاديث ثم يرتبها، بل إنما يكون ذلك في أغلب الأبواب؛ لأن في الكتاب مجموعة من الأبواب لم يذكر فيها سوى حديث واحد وبالتالي لا يكون فيها مجال للترتيب.

فمن درس منهج الإمام مسلم في الترتيب دراسة تحليلية مع درايته التامة بطريقة المحدثين، ودقق النظر فيه يمكنه الاطلاع على كثير من الفوائد العلمية الحديثية التي أودعها مسلم في ترتيبه للأحاديث.

وبجانب ذلك يشرح الإمام مسلم علل الحديث في بعض مواضعها من مسنده الصحيح بشكل استطرادي ذاكرًا وجوه الاختلاف في آخر الباب غالبًا، وجدير بالذكر أن شرح العلل استطراديًا هو من عادة المحدثين عمومًا في مؤلفاتهم الحديثية (4) صحاحًا كانت أم سننًا.

ولتحرير هاتين القضيتين أذكر ثلاث نقاط. أما النقطة الأولى فهي ما صرح به الإمام مسلم في مقدمة صحيحه (5) حيث قال:

"أما بعد، فإنك- يرحمك الله - بتوفيق خالقك، ذكرتَ أنك هممتَ بالفحص عن تَعرُّف جملة الأخبار المأثورة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنن الدين وأحكامه وما كان منها في الثواب والعقاب والترغيب والترهيب وغير ذلك من صنوف الأشياء، بالأسانيد التي بها نُقِلت، وتداولها أهل العلم فيما بينهم، فأردتَ - أرشدك الله - أن تُوقَّفَ على جملتها مؤلَّفة محصاة، وسألتني أن أُلخصها لك في التأليف بلا تكرار يكثر، فإن ذلك زعمت مما يَشْغَلك عما له قصدتَ من التفهم فيها، والاستنباط منها".

"وللذي سألتَ - أكرمك الله - حين رجعتُ إلى تدبره، وما تؤول به الحال - إن شاء الله - عاقبة محدودة، ومنفعة موجودة، وظننتُ حين سألتني تجشم ذلك أنْ لو عُزِم لي عليه، وقُضِي لي تمامُه كان أول من يصيبه نفع ذلك إياي خاصة قبل غيري من الناس، لأسباب كثيرة يطول بذكرها الوصف. إلا أن جملة ذلك أن ضبط القليل من هذا الشأن وإتقانه أيسر على المرء من معالجة الكثير منه، ولا سيما عند من لا تمييز عنده من العوام إلا بأن يوقفه على التمييز غيره، فإذا كان الأمر في هذا كما وصفنا فالقصد منه إلى الصحيح القليل أولى بهم من ازدياد السقيم، وإنما يرجى بعض المنفعة في الاستكثار من هذا الشأن، وجمع المكررات منه لخاصة من الناس ممن رزق فيه بعض التيقظ والمعرفة بأسبابه وعلله".

"فلذلك - إن شاء الله - يَهْجُم بما أوتي من ذلك على الفائدة في الاستكثار من جمعه، فأما عوام الناس الذين هم بخلاف معاني الخاص من أهل التيقظ والمعرفة فلا معنى لهم في طلب الكثير، وقد عجزوا عن معرفة القليل".

"ثم إنا - إن شاء الله - مبتدؤون في تخريج ما سألت وتأليفه على شريطةٍ سوف أذكرها لك، وهو إنا نَعْمِد إلى جملة ما أسند من الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنَقسِمها على ثلاثة أقسام، وثلاث طبقات من الناس، على غير تكرار إلا أن يأتي موضع لا يستغنى فيه عن ترداد حديث فيه زيادة معنىً، أو إسناد يقع إلى جنب إسناد لعلة تكون هناك، لأن المعنى الزائد في الحديث المحتاج إليه يقوم مقام حديث تام، فلا بد من إعادة الحديث الذي فيه ما وصفنا من الزيادة أو أن يُفصَّل ذلك المعنى من جملة الحديث على اختصاره إذا أمكن، ولكن تفصيله ربما عَسُر من جملته فإعادته بهيئته إذا ضاق ذلك أسلم، فأما ما وجدنا بدًّا من إعادته بجملته من غير حاجة منا إليه فلا نتولى فعله إن شاء الله".

"فأما القسم الأول فإنا نتوخى أن نقدم الأخبار التي هي أسلم من العيوب من غيرها وأنقى من أن يكون ناقلوها أهل استقامة في الحديث وإتقانٍ لما نقلوا لم يوجد في روايتهم اختلاف شديد، ولا تخليط فاحش كما قد عُثِر فيه على كثير من المحدثين، وبان ذلك في حديثهم".

"فإذا نحن تقصَّينا أخبار هذا الصنف من الناس أتبعناها أخبارًا يقع في أسانيدها بعض من ليس بالموصوف بالحفظ والإتقان كالصنف المقدم قبلهم، على أنهم - وإن كانوا فيما وصفنا دونهم - فإن اسم أبي زياد، وليث بن أبي سليم، وأضرابهم من حُمَّال الآثار، ونُقَّال الأخبار، فهم - وإن كانوا بما وصفنا من العلم والسِّتر عند أهل العلم معروفين - فغيرهم من أقرانهم ممن عندهم ما ذكرنا من الإتقان والاستقامة في الرواية يفضلونهم في الحال والمرتبة."

لأن هذا عند أهل العلم درجة رفيعة، وخصلة سنية، ألا ترى أنك إذا وازنت هؤلاء الثلاثة الذين سميناهم عطاء ويزيد وليثًا، بمنصور بن المعتمر وسليمان الأعمش وإسماعيل بن أبي خالد في إتقان الحديث والاستقامة فيه وجدتهم مباينين لهم لا يدانونهم، لا شك عند أهل العلم بالحديث في ذلك للذي استفاض عندهم من صحة حفظ منصور والأعمش وإسماعيل، وإتقانهم لحديثهم، وأنهم لم يعرفوا مثل ذلك من عطاء ويزيد وليث، وفي مثل مجرى هؤلاء إذا وازنت بين الأقران كابن عون وأيوب السختياني مع عوف بن أبي جميلة وأشعث الحمراني وهما صاحبا الحسن وابن سيرين كما أن ابن عون وأيوب صاحباهما إلا أن البون بينهما وبين هذين بعيد في كمال الفضل وصحة النقل، وإن كان عوف وأشعث غير مدفوعين عن صدق وأمانة عند أهل العلم، ولكن الحال ما وصفنا من المنزلة عند أهل العلم"."

"وإنما مثلنا هؤلاء في التسمية ليكون تمثيلهم سمة يصدر عن فهمها من غبي عليه طريق أهل العلم من ترتيب أهله فلا يقصَّر بالرجل العالي القدر عن درجته، ولا يرفع متضع القدر في العلم فوق منزلته ويعطي كل ذي حق فيه حقه، وينزَّل منزلته. وقد ذكر عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت:"أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننزل الناس منازلهم"مع ما نطق به القرآن من قول الله تعالى: (وفوق كل ذي علم عليم) ، فعلى نحو ما ذكرنا من الوجوه نؤلف ما سألت من الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم".

(1) سيأتي أن الإمام مسلمًا يقسم الرواة على ثلاث طبقات، الأولى: طبقة الثقات، على اختلاف درجاتهم، لأنها تشتمل على الأوثق، والثقة والصدوق أيضًا، فحين يسوق مسلم أحاديث الطبقة الأولى يقدم الأوثق فالأوثق، إن لم يكن الثاني يحتوي على خصائص إسنادية أخرى تجعله أصح من الأول. والطبقة الثانية: الضعفاء الذين يصلحون للمتابعة وقد يذكر - رحمه الله - أحاديثهم على سبيل المتابعة. والطبقة الثالثة: طبقة المتروكين، ومراتبهم مختلفة أيضًا، ولا يذكر فيه من أحاديثهم شيئًا.

(2) ذكر الخليلي في كتابه الإرشاد 1/177 - 181 كلامًا نفيسًا فيما يخص مسألة العلو وها أنا أنقله بحروفه، قال:"واعلموا أن عوالي الأسانيد مما ينبغي أن يحتشد طالب هذا الشأن لتحصيله، ولا يعرفه إلا خواص الناس، والعوام يظنون أنه بقرب الإسناد وببعده وبقلة العدد وكثرتهم، وأن الإسنادين يتساويان في العدد وأحدهما أعلى، بأن يكون رواته علماء وحفاظًا."

روي لنا أن وكيع بن الجراح قال لتلامذته: أيهما أحب إليكم أن أحدثكم عن سليمان الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ أو أحدثكم عن سفيان الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود؟ قالوا: =

= نحب الأعمش، فإنه أقرب إسنادًا، قال: ويحكم، الأعمش شيخ عالم وأبو وائل شيخ، ولكن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، فقيه عن فقيه عن فقيه.

وقد يكون الإسناد يعلو على غيره بتقدم موت راويه، وإن كانا متساويين في العدد، مثاله: أن علي بن أحمد بن صالح حدثنا عن محمد بن مسعود الأسدي، عن سهل بن زنجلة، عن وكيع، وحدثنا محمد بن إسحاق، عن أبيه، عن علي بن حرب، عن وكيع.

فسهل أعلى من علي بن حرب؛ لأنه مات قبل علي بن حرب بعشرين سنة، ومن ذلك أن رجلين يرويان عن أحد الأئمة، ثم يكون أحدهما أعلى، فإن قتيبة بن سعيد يروي عن مالك، ومات سنة اثنتين وأربعين ومائتين، ويروي عن مالك عبد الله بن وهب، ومات سنة ثمان وتسعين ومائة فهما سواء في مالك، لكن ابن وهب لقدم موته وجلالته لا يوازيه قتيبة مع توثيقه وصلاحه"."

ففي العلو ما ظاهر جلي، وما هو غامض خفي، وليس بمقدور الجميع إدراكه، وأجمع أهل النقل على طلبهم العلو، وتفضيله على النزول.

ومن الجدير بالذكر أن العلو يختلف باختلاف الرواة، وإنه أمر نسبي وإن كان الحديث الذي رواه شخص عاليًا فلا يلزم أن يكون ذلك بالنسبة إلى شخص آخر. مثلًا يكون الحديث عاليًا عند الإمام مسلم غير أن علوه قد لا يتحقق للإمام البخاري، أو يتحقق بطريق آخر أو باعتبار آخر. ومن هنا إذا رأى الإمام مسلم حديثًا أصح فلا يلزم من ذلك أن يكون أصح عند الإمام البخاري.

(3) ربما يذكر الإمام مسلم الحديث المعلول لأغراض علمية ثانوية، منها الاحتياط ومنها الاستئناس، ومنها التنبيه إلى الاختلاف أو العلة.

(4) سنن الترمذي مليء به، ومع ذلك فلم يصفه أحد بـ"سنن معللة"أما صحيح البخاري وصحيح ابن خزيمة ونحوهما من المصادر الحديثية فظاهر لكل من يشتغل بها. راجع قول الحافظ ابن حجر في كتاب النكت على كتاب ابن الصلاح: 1/362 - 363.

(5) 1/45-59 ( شرح النووي ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت