يقول الأستاذ:
"خامسًا: كتاب الحيض، باب صفة غسل الجنابة، افتتح مسلم هذا الباب بحديث عائشة:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل يبدأ فيغسل يديه. . ."حديث (316) ساقه من ثلاث طرق برجال كلهم من الطبقة الأولى."
ثم عقبه بحديث ابن عباس عن ميمونة:"أدنيت لرسول الله صلى الله عليه وسلم غسله من الجنابة فغسل كفيه مرتين أو ثلاثًا. . ."الحديث (317) .
"ثم عقبه بطرق مدارها على الأعمش كلهم من رجال الطبقة الأولى، وهو حديث متفق عليه أخرجه البخاري في الغسل، حديث رقم 246، 254، 256، 257".
"ثم ختمه بحديث عائشة بلفظ:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة دعا بشيء نحو الحِلاب"وهو حديث متفق عليه أخرجه البخاري برقم 255، فهذا الباب كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها وفيه شرح لبعض الألفاظ، وكم في أبوابه من هذا النوع"انتهى كلام الشيخ.
قلت: أورد الإمام مسلم في صفة غسل الجنابة من كتاب الحيض 3/228 - 233 (شرح النووي) ثمانية أحاديث، بعضها عن عائشة، وأخرى عن ميمونة.
حديث عائشة يدور على هشام بن عروة، عن أبيه عنها، وحديث ميمونة مداره على الأعمش، عن سالم، عن كريب، عن ابن عباس عنها، ورواه عن عائشة أيضًا القاسم.
ومن الخصائص الإسنادية التي راعاها الإمام مسلم في تقديم حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة على غيره الشهرةُ والعلو والجودة في سياق الحديث.
أما الشهرة فقد اشتهر الحديث عن هشام بن عروة برواية أبي معاوية وجرير وعلي بن مسهر وعبد الله بن نمير ووكيع وزائدة، وهؤلاء جميعهم من الأئمة الكوفيين، ثم اشتهر عنهم داخل بلدهم وخارجها.
وأما العلو فعدد الرواة فيه خمسة، وفي حديث ميمونة فسبعة، وأما جودة السياق فكان لفظه تامًا.
وأما حديث ميمونه - وإن كان مشهورًا عن الأعمش - فإنه نازل ولفظه ناقص، وقد أشار مسلم إلى النقص في لفظه، وحديث حنظلة عن القاسم، عن عائشة - وإن كان عاليًا - فلم يشتهر عن القاسم حسب تتبعي - وكان لفظه ناقصًا أيضًا.
وساق الإمام مسلم حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة من خمس طرق مرتبًا بينها، فصدر الباب بحديث أبي معاوية لأن لفظه تام، وأما الألفاظ الأخرى فهي ناقصة، وأشار إليها مسلم، ثم ذكر طريق زائدة في الأخير لأنه نازل بالنسبة إلى الروايات السابقة.
وكذا ساق الإمام مسلم أحاديث الأعمش مرتبًا لها بتقديم حديث عيسى بن يونس على غيره لأن لفظه كان تامًا، والأخرى كلها ناقصة كما أشار إليه الإمام مسلم، وأخَّر حديث عبد الله بن إدريس لأنه مختصر. . .
وبهذا اتضحت الحقائق العلمية التي تمير صحيح مسلم عن المصادر الحديثية كما حرر ذلك الأئمة المحدثون، ولله الحمد.