يقول الأستاذ:
"ثالثًا: كتاب اللباس والزينة، باب تحريم خاتم الذهب على الرجال (3/1654) افتتح هذا الباب بحديث أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: نهى عن خاتم الذهب، ورجاله من الطبقة الأولى، ثم أردفه بحديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى خاتمًا من ذهب في يد رجل فنزعه فطرحه. . . الحديث، ورجاله من الطبقة الأولى".
"ثم ثلث بحديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اصطنع خاتمًا من ذهب وكان يجعل فصه في باطن كفه إذا لبسه فصنع الناس. . . الحديث، ساقه من طريقين من الطبقة الأولى مدارهما على الليث بن سعد، عن نافع، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - مرفوعًا".
"ثم ساقه من طرق من الطبقة الأولى مدارها على عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا، وفي الرواة عن عبيد الله بن يحيى بن سعيد القطان ومحمد بن بشر وخالد بن الحارث، وعقبة بن خالد، وحديث عبيد الله متفق عليه. أخرجه البخاري، كتاب اللباس، باب خواتم الذهب، حديث (5865) ، وباب خاتم الفضة حديث (566) ثم ساقه من أربع طرق إلى أيوب وموسى بن عقبة وأسامة بن زيد الليثي جماعتهم عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا"انتهى كلام الأستاذ.
(هذه الأحاديث في صحيح مسلم مع شرح النووي 14/65 - 67) .
قلت: هذه الأحاديث الستة في موضوعين:
موضوع تحريم خاتم الذهب على الرجال،
وموضوع نسخ ما كان من إباحته في أول الإسلام.
ولهذا بوب النووي بقوله: باب تحريم خاتم الذهب على الرجال، ونسخ ما كان من إباحته في أول الإسلام، لكن الأستاذ جعل هذه الأحاديث تحت موضوع واحد أو باب واحد، ودرسها دراسة سطحية، وفاته الاطلاع على الدقائق العلمية التي أودعها الإمام مسلم في ترتيبه لها.
أما الموضوع الأول فأورد فيه الإمام مسلم حديث أبي هريرة وحديث ابن عباس مراعيًا فيه الترتيب العلمي، بتقديم حديث أبي هريرة على حديث ابن عباس لأنه أشهر من الثاني، وأن رجاله مشهورون بكثرة الرواية والإمامة في الحديث، وأنه تسلسل بالكوفيين.
وإذا وازنت بين شيوخ مسلم وجدت تفاضلًا بين عبيد الله بن معاذ ومحمد بن المثنى ومحمد بن بشار وبين محمد بن سهل التميمي، وأنهم فوق الأخير في المرتبة.
أما حديث ابن عباس - وإن كان عاليًا باعتبار عدد رواته - فلم يتصف بما اتصف به الحديث الأول من الخصائص الإسنادية التي بيناها، والله أعلم.
وأما الموضوع الثاني فساق الإمام مسلم فيه حديث ابن عمر من عدة طرق ملتزمًا بترتيبها بحسب الخصائص الإسنادية التي تتبين عند الموازنة بينها.
تدور جميع الطرق التي ساقها مسلم على نافع، عن ابن عمر، إذ روى عن نافع كل من الليث وعبيد الله، وأيوب وموسى بن عقبة وأسامة، فقدم رواية الليث لأن الإمام مسلمًا سمعها بالعلو من بلده وخارجه، يحيى بن يحيى التميمي نيسابوري، ومحمد بن رمح مصري، وقتيبة بن سعيد بلخي، ثم إن رواية مسلم عن الليث بواسطة راوٍ تعتبر عالية بالنسبة إليه.
أما رواية عبيد الله - وإن كان عبيد الله أجل من غيره - فلم يسمعها الإمام مسلم من بلد عبيد الله المدينة، بل سمعها من خارجها بالنزول إذ الرواة فيه بين مسلم ونافع ثلاثة، بينما في حديث الليث راويان فقط، وشيوخ الإمام مسلم في حديث عبيد الله أبو بكر بن أبي شيبة كوفي، وزهير بن حرب بغدادي، ومحمد بن المثنى بصري، وسهل بن عثمان عسكري، وكذا رواية أيوب وموسى بن عقبة وأسامة جميعهم عن نافع سمعها مسلم بالنزول، وإذا وازنت بين شيوخ مسلم في أحاديث هؤلاء، وبين شيوخه في الحديثين السابقين تجد شيوخه في الأخير دون شيوخه في الأول والثاني.
فبهذه الدراسات المتواضعة حول جميع الأمثلة التي عرضها الشيخ أصبحنا مطلعين على بعض الدقائق العلمية التي أودعها مسلم في ترتيب الأحاديث وتنسيقها في صحيحه، مما يدل على إمامته ودقته وتيقظه وجلالته، ويجعل صحيحه متميزًا عن سائر المصادر الحديثية بذلك المنهج العلمي الرائع، والله أعلم، وله الحمد والشكر.