فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 57

أبو مسعود الدمشقي:

يقول أبو مسعود الدمشقي - أحد نقاد الحديث الذين تتبعوا أحاديث كتاب الصحيح كالإمام الدارقطني - (1) :

"وإنما أراد مسلم بإخراج حديث التيمي تبيين الخلاف في الحديث على قتادة، لا أنه يثبته، ولا ينقطع بقوله عن الجماعة الذين خالفوا التيمي، قدم حديثهم ثم أتبعه بهذا". وتوضيح ذلك كما يلي،

قال الإمام مسلم - رحمه الله - (2) :

"حدثنا سعيد بن منصور وقتيبة بن سعيد وأبو كامل الجَحْدَري ومحمد بن عبد الملك الأموي ، واللفظ لأبي كامل ، قالوا: حدثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن حِطَّان بن عبد الله الرَّقاشي. . ."- ذكر الحديث عن أبي موسى الأشعري -.

"حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو أسامة حدثنا سعيد بن أبي عروبة - ح - وحدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا جرير، عن سليمان التيمي كل هؤلاء عن قتادة في هذا الإسناد بمثله".

"وفي حديث جرير عن سليمان، عن قتادة من الزيادة:"

"وإذا قرأ فأنصتوا".

وليس في حديث أحد منهم:

"فإن الله قال على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم: سمع الله لمن حمده"إلا في رواية أبي كامل وحده عن أبي عوانة"."

"قال أبو إسحاق:"

"قال أبو بكر ابن أخت أبي النضر: في هذا الحديث،"

فقال مسلم:"تريد أحفظ من سليمان".

"فقال له أبو بكر:"فحديث أبي هريرة"؟".

"فقال:"هو صحيح". - يعني"وإذا قرأ فأنصتوا"-."

فقال: هو عندي صحيح"."

فقال:"لِمَ لم تضعه ههنا؟".

قال:"ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ههنا إنما وضعت ههنا ما أجمعوا عليه""."

"حدثنا إسحاق بن إبراهيم وابن أبي عمر عن عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة بهذا الإسناد. وقال في الحديث:"فإن الله عز وجل قضى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم سمع الله لمن حمده"اهـ."

أقول وبالله التوفيق-: هنا أمر يدعو إلى التأمل لنستبين مغزى قول أبي مسعود الدمشقي ومدى صوابه- حكى أبو إسحاق ما جرى بين الإمام مسلم وبين تلميذه أبي بكر ابن أخت أبي النضر من حوار قصير حول كلمة:"وإذا قرأ فأنصتوا"التي زادها سليمان التيمي في حديثه عن قتادة، وتفرد بها دون الآخرين من الثقات، وحول حديث أبي هريرة في نفس الموضوع.

لقد فسر الإمام النووي- رحمه الله - هذا الحوار وقال:

"قال أبو بكر في هذا الحديث، يعني طعن فيه وقدح في صحته، فقال له مسلم: أتريد أحفظ من سليمان؟ يعني أن سليمان كامل الحفظ والضبط فلا تضر مخالفة غيره، وقوله: فقال أبو بكر: فحديث أبي هريرة؟ قال: هو صحيح، يعني"وإذا قرأ فأنصتوا"قال أبو بكر: لم لم تضعه ههنا في صحيحك؟ فقال مسلم: ليس هذا مجمعًا على صحته، ولكن هو صحيح عندي، وليس كل صحيح عندي وضعته في هذا الكتاب، إنما وضعته فيه ما أجمعوا عليه".

"ويقال: قد وضع أحاديث كثيرة غير مجمع عليها؟ وجوابه: أنها عند مسلم بصفة المجمع عليه ولا يلزم تقليد غيره في ذلك وقد ذكرنا في مقدمة هذا الشرح هذا السؤال وجوابه. . ."اهـ.

هكذا فسره الإمام النووي - رحمه الله - وخلاصته: أن الإمام مسلمًا يريد أن يصحح ما زاده سليمان التيمي، وأنه لا يرى في مخالفته جماعة من الثقات في ذلك شيئًا يعكر صفاء صحته؛ لأن سليمان التيمي كامل الحفظ والضبط.

وبهذا التفسير يصبح الإمام مسلم مخالفًا لمعظم نقاد الحديث مثل يحيى بن معين وأبي حاتم وأبي داود والدارقطني وغيرهم حيث اتفقوا على أن هذه الزيادة التي تفرد بها سليمان التيمي غير محفوظة عن قتادة وأنها غير صحيحة.

وفي الواقع أن صنيع الإمام مسلم هنا في رواية حديث سليمان التيمي وتنبيهه إلى ما زاده سليمان فيه مخالفًا لكبار الثقات من أصحاب قتادة يوحيان بأنه - رحمه الله - لا يرى صحة تلك الزيادة بل يريد فقط بيان الخلاف بين سليمان وبين غيره من الثقات ، وسنذكر لكم أمورًا تؤكد لنا ذلك.

أولًا: أن الإمام مسلمًا ليس ممن يقبل زيادة الثقة مطلقًا، كما زعم الإمام النووي، وذلك واضح وجلي من خلال نصوصه وتعامله مع زيادات الثقة في كتابه (التمييز) .

فقد قال الإمام مسلم في كتابه التمييز ص: (124 - 126) :

"فاعلم - أرشدك الله - إن الذي يدور به معرفة الخطأ في رواية ناقل الحديث، إذا هم اختلفوا فيه، من جهتين:"

أحدهما: أن ينقل الناقل (حديثًا) بإسناد فينسب رجلًا مشهورًا بنسب في إسناد خبره خلاف نسبته التي هي نسبته، أو يسميه باسم سوى اسمه، فيكون خطأ ذلك غير خفي على أهل العلم حين يرد عليهم. . ."."

أورد فيه أمثلة لأوهام كبار الثقات، ثم قال:

"فهذه الجهة التي وصفنا من خطأ الإسناد ومتن الحديث هي أظهر الجهتين خطأ، وعارفوه في الناس أكثر".

"والجهة الأخرى أن يروي نفر من حفاظ الناس حديثًا عن مثل الزهري أو غيره من الأئمة بإسناد واحد ومتن واحد مجتمعون على روايته في الإسناد والمتن، لا يختلفون فيه في معنى، فيرويه آخر سواهم عمن حدث عنه النفر الذين وصفناهم بعينه، فيخالفهم في الإسناد أو يقلب المتن فيجعله بخلاف ما حكى مَنْ وصفنا من الحفاظ، دون الواحد المنفرد، وإن كان حافظًا، على هذا المذهب رأينا أهل العلم بالحديث يحكمون في الحديث، مثل شعبة وسفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي وغيرهم من أئمة أهل العلم".

"وسنذكر من مذاهبهم وأقوالهم في حفظ الحفاظ وخطأ المحدثين في الروايات ما يستدل به على تحقيق ما فسرت لك - إن شاء الله -".

ويشمل قول الإمام مسلم جميع صور المخالفة بين واحد وجماعة، لا سيما الزيادة والنقص، يزيدها راوٍ دون الثقات، لأنها أوضح صور الاختلاف بين رواة الحديث وأكثرها وقوعًا وقد مثل بذلك الإمام الشافعي لبيان المخالفة، ومن زاد كلمة في الحديث يصبح مخالفًا لمن أسقطها منه ، يقول الحافظ بن حجر:

"واشتهر عن جمع من العلماء القول بقبول الزيادة مطلقًا من غير تفصيل، ولا يتأتى ذلك على طريق المحدثين الذين يشترطون في الصحيح والحسن أن لا يكون شاذًا ثم يفسرون الشذوذ بمخالفة الثقة من هو أوثق منه ، والمنقول عن أئمة المحدثين المتقدمين- كابن مهدي ويحيى القطان وأحمد وابن معين وابن المديني والبخاري وأبي زرعة وأبي حاتم والنسائي والدارقطني وغيرهم - اعتبار الترجيح فيما يتعلق بالزيادة وغيرها ولا يعرف عن أحد منهم إطلاق قبول الزيادة ، وأعجب من ذلك إطلاق كثير من الشافعية القول بقبول زيادة الثقة مع أن نص الشافعي يدل على غير ذلك . اهـ (3) ."

ومن خلال هذا القول علمنا أن زيادة الثقة قد تكون صورة من صور المخالفة التي هي مناط الحديث المعلول، والتي يتعين فيها اعتبار الترجيح على مذهب أئمة الحديث، كما لاحظنا في ختام النص أن كثيرًا من الشافعية يطلقون القول بقبول زيادة الثقة، وفيه تلميح إلى موقف الإمام النووي، وقولهم هذا لا ينسجم مع رأي الإمام الشافعي في هذه المسألة.

ولقد رأينا الإمام مسلمًا يصرح بمذهبه في مثل هذه المخالفة التي تكون بين الرواة زيادة ونقصًا أو قلبًا لسياق المتن أو غير ذلك من وجوه الخلاف هو أن يرفض الحديث الذي خالف فيه راويه - وإن كان حافظًا - جماعة من الثقات، معلنًا بأن ذلك هو مذهب نقاد الحديث.

والذي يجب أن أذكر القارىء به في هذه المناسبة أن المعنى الذي يتعين استخلاصه من هذه النصوص التي قرأناها للإمام مسلم آنفًا وفي ضوء تعامله وغيره من أئمة النقد مع الزيادات أن سبب الرد يقتنع بأن ذلك هو الواقع الحديثي إلا حفاظ الحديث ونقاده، حيث إنهم يعلمون ذلك الواقع برواية أوثق الناس به أو بشهرته لدى جماعة من الثقات أو برواية ثقة أو غير ذلك من المرجحات التي تحف بالحديث، ولا ينبغي أن تكون طبيعة الحكم في مثل هذه المسائل ما يشبه (العملية الحسابية) ، مثلًا إذا خالف الثقة لثقتين أو ثلاثة أو أكثر فحديثه مردود دائمًا، بل يجب فيها اعتبار أسباب الترجيح التي لا تكون مطردة، بل تختلف من حديث لآخر.

وإذا تتبعت كتاب (التمييز) للإمام مسلم وجدت فيه أمثلة كثيرة يطبق فيها الإمام مسلم ما أعلن عنه آنفًا، وأنواعًا كثيرة من زيادة الثقات التي كان يردها تبعًا للقرائن التي تدل على خطئها، سواء أكانت الزيادة في الإسناد أم في المتن، ومن أظهر أمثلة الزيادات التي ردها الإمام مسلم ما زاده الإمام مالك مخالفًا لغيره من أصحاب هشام، حين قال الإمام مالك:

"عن هشام، عن أبيه، عن عبد الله بن عامر"،

وقال الآخرون من أصحاب هشام:

"عن هشام أخبرني عبد الله بن عامر بن ربيعة"،

وأسقطوا فيه"عن أبيه"،

فرد الإمام مسلم زيادة إمام مشهور من أئمة الحديث قائلًا:

"فهؤلاء عدة من أصحاب هشام كلهم قد أجمعوا في هذا الإسناد على خلاف مالك والصواب ما قالوا دون مالك" (4) .

ومنها أيضًا ما زاده سعيد بن عبيد - أحد الثقات - في حديث القسامة، ورده الإمام مسلم قائلًا:

"وليس في شيء من أخبارهم أن النبي صلى الله عليه وسلم سألهم البينة إلا ما ذكر سعيد بن عبيد في خبره، وترك سعيد القسامة في الخبر فلم يذكره، وتواطؤ هذه الأخبار التي ذكرناها بخلاف رواية سعيد يقضي على سعيد بالغلط والوهم في خبر القسامة" (5) .

والإمام مسلم لا يختلف عن النقاد في مسألة زيادة الثقة، ومذهبهم فيه واحد، وهو أن يتوقف القبول والرد على دلالة القرائن التي تحف بالحديث، أما قبولها مطلقًا أو ردها مطلقًا فليس من مذهبهم بشيء.

ولهذا قال الحافظ ابن رجب الحنبلي:

"وليس ذلك - يعني قبول زيادة الثقة - قول مسلم ولا قول أئمة الحافظ".

وقال الحافظ ابن حجر (6) :

"والتحقيق أن الشيخين ليس لهما في تقديم الوصل عمل مطرد بل هو دائر مع القرائن مهما ترجح بها اعتمداه".

قال الحافظ ابن حجر (7) :"والذي يجري على قواعد المحدثين أنهم لا يحكمون عليه - أي ما زاده الثقة - بحكم مستقل من القبول والرد بل يرجحون بالقرائن".

وبهذا نستطيع الجزم بأن الإمام مسلمًا لا يقبل زيادة الثقة مطلقًا.

ثانيًا: أن هذه الكلمة التي زادها سليمان التيمي قد أوردها مسلم في صحيحه على الشكل الذي يوحي بعدم صحتها، لأنها ذُكِرت لبيان وجه الخلاف بين سليمان التيمي وغيره من الثقات، ولم تُذكر على سبيل الاعتماد عليها.

ويؤيده أن الإمام مسلمًا لم يضع كلمة"وإذا قرأ فأنصتوا"التي زادها سليمان التيمي في حديثه عن قتادة في باب (النهي عن القراءة خلف الإمام) ولا حديثًا آخر في معناه، حتى لا يبرر تركه لحديث سليمان بأنه لم يلتزم باستيعاب الأحاديث الصحيحة في كل موضوع من الموضوعات.

ولو كان مسلم يرى صحة ما زاده سليمان التيمي لأعاده في بابه، بل إنه أفاد بصنيعه وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة مطلقًا، وترك الجهر بقراءة السور خلف الإمام وذلك في أبواب القراءة في الصلاة قبل حديث سليمان بأبواب.

(1) نقله فضيلة الشيخ مقبل بن هادي في تحقيقه لكتاب التتبع ص: 213.

(2) كتاب الصلاة ، باب التشهد في الصلاة ، مع شرح النووي 4/119 .

(3) النكت 2/692 ،والنخبة ص: 13 .

(4) كتاب التمييز ص: 172-173 .

(5) المصدر السابق ص: 146، راجع شرح السنة للإمام البغوي 10/ 219، وفتح الباري للحافظ ابن حجر 12/234، 236.

(6) الفتح 12/312 .

(7) النكت 2/687 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت