فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 57

وكذلك لما أورد الإمام مسلم حديث ابن عباس في تفسير الآية"لا تحرك به لسانك"من كتاب الصلاة بعدة أبواب، والذي عنون له الإمام النووي بـ (باب الاستماع للقراءة) لم يُعِد - رحمه الله - كلمة"وإذا قرأ فأنصتوا"من حديث سليمان التيمي، إما بتقطيع الحديث أو بكامله، ولو رأى صحتها لأعادها، فقد وعد بإعادة الحديث الذي يتضمن أكثر من موضوع في أبواب تحتاج إليه إما بتقطيعه إن أمكن، أو بكامله. والمعنى الزائد المحتاج إليه يقوم مقام حديث تام حسب رأيه.

أما الباب الذي أورد الإمام مسلم فيه حديث سليمان التيمي فهو موضوع التشهد في الصلاة، ولا صلة له بما زاد سليمان التيمي"وإذا قرأ فأنصتوا"فاتضح الأمر جليًا أن مسلمًا لم يكن يريد الاحتجاج به إذ ذكره في موضوع التشهد، وإنما كان غرضه من ذكره هو البيان بأن سليمان التيمي قد تفرد بزيادته مخالفًا لكبار الثقات من أصحاب قتادة.

ثالثًا: لو كانت هذه الكلمة التي زادها سليمان التيمي صحيحة عند الإمام لأورد ما يزيل الإشكال الذي نبهه بقوله - رحمه الله: "وفي حديث جرير عن سليمان، عن قتادة من الزيادة:"وإذا قرأ فأنصتوا"" من مخالفة سليمان لغيره من الثقات وتفرده بها عن قتادة، في الوقت الذي أزال فيه الإشكال الذي أثاره حول زيادة أبي عوانة:"فإن الله قال على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم: سمع الله لمن حمده"، حين قال الإمام مسلم:

"حدثنا إسحاق بن إبراهيم وابن أبي عمر، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة بهذا الإسناد وقال في الحديث:"فإن الله عز وجل قضى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم سمع الله لمن حمده"."

مما يعلم به أن زيادة أبي عوانة لها أصل صحيح عن قتادة وأين هذا بالنسبة لزيادة سليمان؟

وهذه أمور مهمة تعطينا صورة صحيحة عن موقف الإمام مسلم من زيادة سليمان التيمي التي أوردها عرضًا.

ونعود بعد هذا الاستدراك إلى تفسير الإمام النووي ونتساءل: لماذا فسره الإمام النووي على ذلك الوجه الذي يجعل الإمام مسلمًا يصحح تلك الزيادة ويتجه نحو قبول زيادة الثقة مطلقًا؟ وهل يدل السياق على ذلك؟

يبدو أن الإمام النووي مال إلى هذا التفسير لدافع مذهبي، حيث كان ينتصر لقبول زيادة الثقة ويجعل الإمام مسلمًا من ضمن القائلين به، ولذا قام بتأويل ذلك الحوار على الشكل الذي يجعل نصوصه فيما يخص زيادة الثقة منسجمة لهذا المذهب.

وإن كان الإمام النووي قد فهم من صنيع الإمام مسلم وطبيعة حواره مع أبي بكر ابن أخت أبي النضر أن زيادة سليمان التيمي صحيحة عنده وأنه أراد الدفاع عن صحتها وثبوتها من خلال إجابته على سؤال أبي بكر فإن الإمام أبا مسعود الدمشقي أحد نقاد الحديث الذين تتبعوا أحاديث الصحيحين يرى عكس ذلك، حيث يقول:"لم يرد مسلم بذكر زيادة سليمان التيمي هنا تصحيحها ولا تثبيتها وإنما أراد بيان الخلاف".

ونحن عندما نمعن النظر في قول مسلم ومناسبة حواره مع أبي بكر حول حديث سليمان وحديث أبي هريرة ونقارن بين رأي الإمام النووي ورأي الإمام الدمشقي وعرض كل منهما على الواقع الملموس هنا نجد أنفسنا تميل إلى موقف الإمام الدمشقي ونطمئن بصواب قوله، وذلك لأمور آتية:

أولًا: إن النتيجة التي تمخض عنها تفسير الإمام النووي تخالف مذهب الإمام مسلم في قبول زيادة الثقة.

ثانيًا: يلزم من تفسير النووي تناقض بين تصرف مسلم في صحيحه وبين تصريحه في آخر الحوار، وذلك أن الإمام مسلمًا أورد زيادة سليمان التيمي في صحيحه على سبيل الاحتجاج - حسب موقف النووي - مع كونها محل خلاف بين الرواة بل تفرد بها سليمان مخالفًا للثقات لا سيما سعيد بن أبي عروبة وهشام الدستوائي وأبا عوانة، ومعلوم أن هؤلاء من أثبت أصحاب قتادة وأحفظهم وأتقنهم، وفي نفس الوقت يعلن منهجه في الصحيح بالحرف الواحد أنه لا يذكر في صحيحه إلا ما أجمعوا عليه من الأحاديث، وعلى هذا الأساس ترك الإمام مسلم حديث أبي هريرة الذي اختلف عليه الرواة، وهذا كما ترى تناقض واضح بين منهجه وتطبيقه.

وأما ما ذكره الإمام النووي -"ويقال: قد وضع أحاديث كثيرة غير مجمع عليها؟ وجوابه: أنها عند مسلم بصفة المجمع عليه ولا يلزم تقليد غيره في ذلك. . ."- فلا ينطبق هنا في هذه الزيادة، فإن الإمام مسلمًا قد صرح بأن هذه الزيادة قد خالف فيها جماعة كبيرة من الثقات مع سليمان، ولا يصلح هنا القول إنها عند مسلم بصفة المجمع عليه.

ثالثًا: يمكن لنا أن نفسر هذا الحوار على وجه صحيح ينسجم مع مذهبه في مسألة زيادة الثقة ومنهجه في الصحيح، ونقول:

قال أبو بكر:"في هذا الحديث"؟ يظهر معناه من المناسبة العلمية التي ترك الإمام مسلم تلميذه أبا بكر فيها، وهي مناسبة بيان الإشكال فيما زاده سليمان التيمي وتفرد به مخالفًا لجماعة من الثقات، ومنهم سعيد بن أبي عروبة وهشام الدستوائي، وهما من أحفظهم وأثبتهم لأحاديث قتادة، وهذا البيان يثير تساؤلًا عن مدى تأثير هذه المخالفة في صحة هذا الحديث"وإذا قرأ فأنصتوا"، ثم إن أبا بكر لم يجد الإمام مسلمًا بعد ذلك يتطرق لما يزيل ذلك الإشكال، مثل ما عمل فيما يخص زيادة أبي عوانة، حيث ذكر رواية أخرى في آخر الباب مما يزيل اللبس المترتب عن تفرده.

هذه المناسبة العلمية هي التي جعلت أبا بكر يريد أن يستفسر عن حقيقة الأمر في هذه الزيادة، حتى يقتنع بضعفها المبين من طرف الإمام مسلم فقال مخاطبًا للإمام مسلم: في هذا الحديث؟ يعني ما الأمر إذًا في هذا الحديث؟ وهل تضر هذه المخالفة التي بينتها في صحته؟

فأجاب الإمام مسلم وقال:"تريد أحفظ من سلمان". يعني عليك أن تبحث أحفظ من سليمان، فإنه ليس من أتقن الناس ولا أحفظهم خاصة في حديث قتادة، بل هو مضطرب في حديثه عنه، فكيف يصح الاعتماد على مثله في الوقت الذي يخالفه كبار الثقات من أصحاب قتادة؟

وبعد أن تأكد بضعف زيادة سليمان استفسر أبو بكر عن حديث أبي هريرة الوارد في هذا الموضوع، فقال له أبو بكر: فحديث أبي هريرة؟ فقال: هو صحيح، ولم يقل الإمام مسلم: هو صحيح أيضًا، وعلى تأويل الإمام النووي كان المفروض أن يقول: هو صحيح أيضًا.

ثم سأله لِمَ لم تضعه ههنا - إن كان صحيحًا -؟ قال: ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ههنا إنما وضعت ههنا ما أجمعوا عليه. ويعلم أبو بكر أن الإمام مسلمًا لم يستوعب في صحيحه جميع الأحاديث الصحيحة ومع ذلك سأله عن عدم ذكر حديث أبي هريرة، لأنه وجد الكتاب قد خلى عن الحديث في هذا الباب، وهذه الزيادة التي نحن بصددها لم يذكرها مسلم على سبيل الاحتجاج، ولهذا لم يعدها مرة أخرى على الرغم من وجود مناسبات تدعو إلى إعادتها، حيث إنه وعد بإعادة الحديث كلما دعته المناسبة إلى ذلكن ومن هنا جاء سؤاله: لم لم تضع حديث أبي هريرة ههنا؟

وعلى هذا أصبح الإمام مسلم موافقًا لنقاد الحديث في عدم تصحيح ما زاده سليمان التيمي، وصارت نصوصه التي وردت هنا موافقة لمذهبه في مسألة زيادة الثقة، وكما سلمت من التناقض الذي يظهر من تفسير الإمام النووي.

وفي ضوء ذلك فإننا نجد الإمام أبا مسعود الدمشقي مصيبًا في فهمه من صنيع الإمام مسلم في زيادة سليمان التيمي، وأصبح قوله صحيحًا ومقبولًا، وعليه فإن الذين يردون ما قاله الإمام أبو مسعود الدمشقي لم يحللوا نصه في ضوء الواقع الملموس في نصوص الإمام مسلم وسياقها، وإنما قلدوا الإمام النووي في رأيه الذي وقفنا عليه أثناء تفسيره للحوار.

ومنهم فضيلة الشيخ الدكتور/ مقبل بن هادي، يقول:

"قول أبي مسعود الدمشقي:"إن مسلمًا لم يثبته"يرده قول مسلم لأبي بكر عند أن راجعه من أجل هذا الحديث"تريد أحفظ من سليمان؟"وعذر مسلم - رحمه الله - أنه في المتابعات، إلا هذه الزيادة فإن الأمر كما يقول الحافظ فيها. . . (1) ".

قلت: إذا كان حديث سليمان التيمي عن قتادة موافقًا لما رواه عنه الثقات فإنه لا يدعو إلى الاعتذار عن الإمام مسلم بأنه في المتابعات، بل إنه في الأصول، وأما الزيادة التي زادها سليمان التيمي فهي التي تحتاج إلى الاعتذار عن الإمام مسلم إن كان يصححها، نظرًا لآراء النقاد المتفقة على عدم صحتها. ثم إن اعتراض فضيلة الشيخ على أبي مسعود مستمد من تفسير الإمام النووي.

ومنهم الأستاذ المؤلف الذي نحن بصدد تفنيد شبهاته حول منهج الإمام مسلم لم يترك هذا الموضوع من صحيح مسلم دون أن يعلق عليه، فقال:

"فلما عارضه أبو بكر ابن أخت أبي النضر في إحدى الزيادتين، وهي"وإذا قرأ فأنصتوا"، وطعن فيها بأن سليمان التيمي قد انفرد بها عن كل أصحاب قتادة أجابه بقوله: "تريد أحفظ من سليمان"أي أن سليمان ثقة حافظ فتفرده لا يضر وعدم ذكر أصحاب قتادة لها لا يقدح فيها ولأنه مثبت، وهم غير نافين لها فلا شك في صحتها عنده وعلى مذهبه، ولم يعبأ بمخالفة غيره وطعنه فيها لا سيما وقد وافقه أئمة في تصحيحها كأحمد بن حنبل - رحمه الله - ثم إنه قد أشار في مقدمته إلى قبول الزيادة بقوله:"لأن المعنى الزائد في الحديث المحتاج إليه يقوم مقام حديث تام"."

"فهذه الزيادة في حديث أبي موسى هنا قائمة في نظره مقام حديث تام كأن سليمان التيمي استقل به فلا يضره سكوت غيره عنه، ثم سأله أبو بكر ليلزمه ويقيم عليه الحجة فقال: فحديث أبي هريرة فقال مسلم: هو عندي صحيح، فقال أبو بكر: لم لم تضعه ههنا؟ قال مسلم مبينًا منهجه وشرطه فيما يرويه في هذا الكتاب العظيم: ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ههنا، إنما وضعت ههنا ما أجمعوا عليه. . ."إلى آخر كلامه.

"ثم قال: ثم لو كان مسلم التزم بيان العلل القادحة وشرحها لقال لأبي بكر: إني ما أوردت رواية سليمان التيمي إلا لبيان العلة القادحة فيه، ولو كان شرحه لها يتمثل في ترتيب الأحاديث ويقدم ما حقه أن يؤخر ويؤخر ما حقه أن يقدم لقال: يا أبا بكر ألا تراني أخرت رواية سليمان التيمي فإني ما أخرتها إلا لبيان علتها".

قلت: إن قوله:

"فلما عارضه أبو بكر ابن أخت أبي النضر في إحدى الزيادتين، - وهي:"وإذا قرأ فأنصتوا"- وطعن فيها بأن سليمان التيمي قد انفرد بها عن كل أصحاب قتادة".

يبدو من هذا القول أن أبا بكر هو الذي كان يُذكِّر الإمام مسلمًا بأن سليمان التيمي قد انفرد بتلك الزيادة وأنه قد خالف فيها بقية الثقات! وكأن الإمام مسلمًا لم يتطرق لذلك! وفي الواقع أن الإمام مسلمًا هو الذي أوضح هذه الحقيقة التي تكمن في رواية سليمان وزيادته وهي مخالفته لكبار الثقات.

والذي أدهشني هو: كيف يفهم الأستاذ هذا كله من قول أبي إسحاق:"قال أبو بكر في هذا الحديث"؟ وهذا كما ترى كلمة موجزة لا تحمل شيئًا مما ذكره، ولا يفهم ذلك من قول الإمام مسلم مع أنه صريح في ذلك.

ثم إن قبول زيادة الثقة وعدمه عند الإمام مسلم وغيره من النقاد إنما هو بحسب وجود القرائن، لا على الإطلاق، كما حررنا ذلك من قبل أكثر من مرة.

أما الذي فهمه الأستاذ من قول الإمام مسلم - رحمه الله تعالى -"المعنى الزائد في الحديث المحتاج إليه يقوم مقام حديث تام"من أن زيادة الثقة مقبولة عنده، وأنها تقوم مقام حديث تام، فليس بصحيح، وإنما المعنى:

أن الحديث الصحيح إذا تضمن أكثر من موضوع فتقطيعه حسب تلك الموضوعات أمر جائز لأن كل موضوع من موضوعاته يقوم مقام حديث تام.

(1) هامش كتاب ( الإلزامات التتبع ) للدارقطني ص: 171 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت