فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 57

وفي الواقع ليس في هذا الحوار معارضة ولا طعن ولا إلزام ولا إقامة حجة كما يزعم الأستاذ، وإنما هو استفسار تلميذ عما بينه شيخه الإمام مسلم من تفرد سليمان بزيادته التي زادها مخالفًا فيها لكبار الثقات من أصحاب قتادة.

ومن الذي قال: إن أبا بكر طعن في الحديث؟ حتى يقال:"ثم لو كان مسلم التزم بيان العلل القادحة وشرحها لقال لأبي بكر إني ما أوردت رواية سليمان التيمي إلا لبيان العلة القادحة فيه"وهذا كله خيال لا يعتمد عليه.

ولو كان هذا الحوار حوار معارضة وطعن وخصومة لألزم أبو بكر شيخه مسلمًا، وأقام عليه الحجة، وقال له:"أنت تزعم أنك لا تضع في صحيحك من الأحاديث الصحيحة إلا ما أجمعوا عليه، فكيف وضعت هنا حديث سليمان التيمي عن قتادة:"وإذا قرأ فأنصتوا"وهو حديث اتفق الأئمة على تعليله؟ لم يسأله ذلك لأن المجال مجال استفسار واستفادة وزيادة تأكيد، وأنه على بينة أن شيخه لم ير صحة ما زاده سليمان التيمي، لأن سليمان تفرد بها مخالفًا للجماعة من أصحاب قتادة كأبي عوانة وسعيد بن أبي عروبة وهشام الدستوائي وغيرهم، وهؤلاء أحفظ وأثبت وأعلم بأحاديث قتادة، وسليمان دونهم، بل إنه مضطرب في حديثه عن قتادة."

ولهذا السبب لم يسقها مسلم مسندة، ولم يؤصل بها، ولم يعتمد عليها، ولم يضعها في بابها، وإنما ذكرها عرضًا حين جمع بين الروايات عن قتادة، ليشير إلى أن سليمان زاد فيه كلمة لم يقلها أحد غيره من أصحاب قتادة، وبهذا نصل إلى أن قول أبي مسعود الدمشقي:

"وإنما أراد مسلم بإخراج حديث التيمي تبيين الخلاف في الحديث على قتادة لا أنه يثبته"سديد ومقبول لا غبار عليه، وهو دليل على أنه فهم من الحوار كما فسرنا.

فالمعنى الذي بينه الأستاذ بعيد عن واقع الحوار، بل يلزم منه تناقض غريب بين كلام مسلم وبين تطبيقه ومخالفة في مذهبه، كما أوضحنا ذلك سابقًا، فالذي يتعين هنا أن يفسر الحوار بما يوافق مذهب الإمام مسلم بدون تكلف. والله أعلم.

وعلى كل حال فالذي يهمنا هنا هو أن الإمام أبا مسعود الدمشقي أيضًا ممن يعتقد بترتيب الأحاديث في صحيح مسلم وبيان الخلاف والعلة أحيانًا، إذ قال:

"إنما أراد مسلم بإخراج حديث التيمي تبيين الخلاف لا أنه يثبته، ولا ينقطع بقوله عن الجماعة الذين خالفوا التيمي، قدم حديثهم ثم أتبعه بهذا".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت