قال الإمام مسلم - رحمه الله - في كتاب الصلاة، باب فضل الأذان وهرب الشيطان عند سماعه 4/89 - 92 (شرح النووي) .
1 -حدثنا محمد بن عبد الله بن نُمير، حدثنا عبدة، عن طلحة بن يحيى، عن عمه قال: كنت عند معاوية بن أبي سفيان فجاءه المؤذن يدعوه إلى الصلاة، فقال معاوية: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"المؤذنون أطول الناس أعناقًا يوم القيامة".
2 -وحدثنيه إسحاق بن منصور، أخبرنا أبو عامر، حدثنا سفيان، عن طلحة بن يحيى، عن عيسى بن طلحة قال: سمعت معاوية يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، بمثله.
3 -حدثنا قتيبة بن سعيد وعثمان بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم، قال إسحاق: أخبرنا، وقال الآخران: حدثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:"إن الشيطان إذا سمع النداء بالصلاة ذهب حتى يكون مكان الروحاء"قال سليمان: فسألته عن الروحاء، فقال:"هي من المدينة ستة وثلاثون ميلًا".
4 -وحدثناه أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قالا: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش بهذا الإسناد.
5 -حدثنا قتيبة بن سعيد وزهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم، واللفظ لقتيبة، قال إسحاق:"أخبرنا"وقال الآخران: حدثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال. . . (فذكر الحديث بكامله) .
6 -حدثني عبد الحميد بن بيان الواسطي، حدثنا خالد - يعني ابن عبد الله - عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. . . (فذكر الحديث باختصار) .
7 -حدثني أمية بن بِسْطام، حدثنا يزيد - يعني ابن زريع - حدثنا روح، عن سهيل قال: أرسلني أبي إلى بني حارثة، قال: ومعي غلام لنا أو صاحب لنا، فناداه منادٍ من حائط باسمه، قال: وأشرف الذي معي على الحائط فلم ير شيئًا، فذكرت ذلك لأبي، فقال:"لو شعرتُ أنك تلقى هذا لم أرسلك، ولكن إذا سمعت صوتًا فناد بالصلاة، فإني سمعت أبا هريرة يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. . . (فذكر الحديث باختصار) ."
8 -حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا المغيرة - يعني الحزامي - عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال. . . (فذكر الحديث) .
9 -حدثنا محمد بن رافع، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله. . . (ذكر مسلم الفروق اللفظية) .
يقول الأستاذ: صدر مسلم هذا الباب بحديث معاوية بإسنادين مدارهما على طلحة بن يحيى التيمي من الطبقة الثانية. قال الحافظ:"صدوق يخطىء"، ثم عقبه بحديث جابر - رضي الله عنه - بإسنادين مدارهما على أبي سفيان طلحة بن نافع، صدوق أي أنه من الثانية، ثم أتبعه بحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - بإسنادين أولهما من الطبقة الأولى، والثاني فيه سهيل من الثانية، وعبد الحميد بن بيان من الثانية أيضًا، ولفظه (. . .) وهو حديث اتفق على إخراجه الشيخان (. . .) فأيهما أسلم من العيوب وأنقى؛ حديث معاوية وجابر المقدمين أو حديث أبي هريرة المؤخر؟ وأيهما أصل الباب؟ ثم أورده بإسناد رجاله من الطبقة الأولى عن أبي الزناد، عن الأعرج، وهو متفق عليه، أخرجه البخاري من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة. . . ثم أخرجه بإسناد من الطبقة الأولى: محمد بن رافع عن عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة. انتهى كلام الشيخ.
أقول: إن هذه الأحاديث أوردها الإمام مسلم في موضوعين: موضوع فضل الأذان، وموضوع هرب الشيطان عند سماعه، مرتبًا فيها بحسب الأصح فالأصح.
أما الموضوع الأول، أو الباب الأول ففيه حديث معاوية بن أبي سفيان من طريقين، كما في الرقمين الأول والثاني، وهما يدوران على طلحة بن يحيى.
وأما الباب الثاني ففيه حديث جابر من طريقين كما في الرقمين الثالث والرابع، وحديث أبي هريرة من خمس طرق كما في الأرقام 5، 6، 7، 8، 9.
أما حديث معاوية الذي أورده مسلم في الباب - باب فضل الأذان - فذكر له طريقين: طريق عبدة، عن طلحة بن يحيى، وطريق سفيان الثوري عنه، مرتبًا فيهما بتقديم طريق عبدة على طريق سفيان، ذلك لأن الأول عال ومسلسل بالكوفيين.
أما العلو فلأنه توسط راويان بين طلحة ومسلم - عبدة ومحمد بن عبد الله بن نمير - والتسلسل فلأن طلحة ومن بعده من الرواة إلى الإمام مسلم جميعهم كوفيون.
وليس الأمر كذلك في الطريق الثاني، إذ كان الرواة بينهما ثلاثة، سفيان الثوري كوفي، وتلميذه أبو عامر العقدي بصري، والراوي عنه إسحاق بن منصور نيسابوري.
وأما الباب الثاني فذكر فيه حديث جابر وحديث أبي هريرة وإذا وازنت بينهما بأن لك أن حديث جابر الذي صدر به الإمام مسلم الباب أقوى وأصح لكونه مشهورًا.
فقد اشتهر في بلد صاحبه وخارجه، وصاحب الحديث هنا الأعمش الكوفي، لأنه تدور عليه طرق الحديث، وسمعه الإمام مسلم من شيوخه الكوفيين وغيرهم - عثمان بن أبي شيبة وأبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب كلهم كوفيون، وقتيبة بن سعيد وإسحاق بن إبراهيم خراسانيان -.
أما حديث أبي هريرة الذي ختم به الباب فلم يشتهر ولم يعرف في بلد صاحبه، بل اشتهر خارجها، فقد روى عن أبي هريرة أبو صالح والأعرج وهمام، كلهم مدنيون، أما أبو صالح فقد أخذ عنه الأعمش وسهيل، الأول كوفي والثاني مدني، وسمع الإمام مسلم حديث الأعمش من غير الكوفيين، قتيبة بن سعيد وإسحاق بن إبراهيم من خراسان، وزهير بن حرب من بغداد.
ورواية همام التي ختم بها الباب لم تشتهر إلا عن عبد الرزاق اليمني، وقبله فرد. فحديث جابر هو الذي اشتهر في بلد صاحبه وخارجه دون حديث أبي هريرة، فإنه لم يشتهر في بلد صاحبه المدينة، وإن كان له طرق متعددة.
وإذا نظرنا إلى طرق الحديث عن جابر وقفنا على الخصائص الإسنادية التي راعاها مسلم في الترتيب بينها. الأعمش هو صاحب الحديث ومداره، روى عنه جرير وأبو معاوية، كما في الرقم الثالث والرابع، فقدم حديث جرير على حديث أبي معاوية، لأنه عرف داخل الكوفة وخارجها، حتى سمعه الإمام مسلم بالعلو من عثمان بن أبي شيبة الكوفي وقتيبة وإسحاق بن إبراهيم الخراسانيين، أما حديث أبي معاوية فإنما عرف داخل بلده، وهو كوفي، وسمعه مسلم بالعلو من أبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب الكوفيين.
أما حديث أبي هريرة فأورده مسلم من عدة طرق، وهي مرتبة أيضًا بحسب الخصائص الإسنادية التي تتجلى عند الموازنة بينها. قدم رواية أبي صالح عن أبي هريرة على رواية الأعرج وهمام، لأنه أشهر من غيره، فقد اشتهر حديث أبي صالح برواية الأعمش على رواية سهيل لأن الأعمش أجَلُّ من سهيل.
ثم أورد رواية سهيل من طريقين على الترتيب، فقدم حديث خالد بن عبد الله، عن سهيل على حديث روح عنه - كما في رقم 6، 7 - لأن الأول عال والثاني نازل.
أما حديث الأعرج عن أبي هريرة فتناقله المدنيون، إلا أن مسلمًا لم يسمعه بالعلو من أهل المدينة، وأورده هنا عن قتيبة الخراساني.
وحديث معمر عن أبي هريرة لم يشتهر إلا عن عبد الرزاق، وهو حديث صحيح غريب معتمد عليه، ولغرابته كان الإمام مسلم يؤخره في آخر الباب، وهو الذي عرف بصحيفة همام، ولم تشتهر إلا برواية عبد الرزاق عن معمر عنه، والله أعلم.
أما قول الأستاذ في طلحة بن يحيى المدني: إنه من الدرجة الثانية فليس له دليل فيه، وقد وثقه ابن معين ويعقوب بن شيبة وابن حبان والدارقطني وابن سعد، وإن تكلم فيه بعضهم، ولعل ذلك لرواية حديث"عصفور من عصافير الجنة"ومن الجدير بالذكر أن حديثه في باب مستقل كما سبق.