قال الإمام مسلم - رحمه الله - في كتاب الطهارة، باب الاستطابة، وباب آداب قضاء الحاجة 3/151 - 153 (شرح النووي) .
1 -حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية ووكيع، عن الأعمش ح، وحدثنا يحيى بن يحيى واللفظ له، أخبرنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن سليمان قال: قيل له:"قد علمكم نبيكم صلى الله عليه وسلم كل شيء حتى الخِراءَة"قال: فقال:"أجل لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول أو أن نستنجي باليمين أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار أو أن نستنجي برجيع أو بعظم".
2 -حدثنا محمد بن المثني، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن الأعمش ومنصور، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن سلمان قال: قال لنا المشركون:"إني أرى صاحبكم يعلمكم حتى يعلمكم الخراءة"، فقال:"أجل، إنه نهانا أن يستنجي أحدنا بيمينه أو يستقبل القبلة، ونهى عن الرَّوث والعظام، وقال:"لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار"."
3 -حدثنا زهير بن حرب، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا زكريا بن إسحاق، حدثنا أبو الزبير أنه سمع جابرًا يقول: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُتمسَّح بعظم أو ببعر.
4 -وحدثنا زهير بن حرب وابن نمير قالا: حدثنا سفيان بن عيينة ح قال: وحدثنا يحيى بن يحيى، واللفظ له، قال: قلت لسفيان بن عيينة:"سمعت الزهري يذكر عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي أيوب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببول ولا غائط، ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا"قال أبو أيوب:"فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بُنيت قِبَل القبلة فننحرف عنها ونستغفر الله؟ قال: نعم (1) .
5 -وحدثنا أحمد بن الحسن بن خِراش، حدثنا عمر بن عبد الوهاب، حدثنا يزيد - يعني ابن زُريع - حدثنا روح عن سهيل، عن القعقاء، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إذا جلس أحدكم على حاجته فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها".
6 -حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قَعْنَب حدثنا سليمان - يعني ابن بلال - عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى، عن عمه واسع بن حبان قال: كنت أصلي في المسجد، وعبد الله بن عمر مسندٌ ظهره إلى القبلة، فلما قضيت صلاتي انصرفت إليه من شقي، فقال عبد الله:"يقول ناس إذا قعدت للحاجة تكون لك فلا تقعد مستقبل القبلة ولا بيت المقدس"، قال عبد الله:"ولقد رقيتُ على ظهر بيت حفصة، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعدًا على لبنتين مستقبلًا بيت المقدس لحاجته".
7 -حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن بشر العبدي، حدثنا عبيد الله بن عمر، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عمه واسع بن حبان، عن ابن عمر قال:"رقيت على بيت أختى حفصة فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعدًا لحاجته مستقبل الشام مستدبر القبلة."
هذه مجموعة من الأحاديث تضمنت موضوعات مختلفة، جمعها مسلم حسب الموضوعات، دون أن يبوب لها كعادته في صحيحه، أما ما نراه من تراجم الأبواب فصنع الشراح تسهيلًا لهم وللقارىء على الفهم ولهذا اختلفت عباراتهم من شارح لآخر.
وعليه فليس من المنطقي أن يعتمد في معرفة وضع الأحاديث وتنسيقها وترتيبها في صحيح مسلم على الأبواب والعناوين التي وضعها الشراح في شروحهم له، والذي يتعين في ذلك هو النظر في موضوع الحديث.
وإذا نظرنا إلى مفردات هذه المجموعة تبين لنا أن الصواب تفريقها بالعناوين حسب الموضوعات التي تحتويها، كما فعل ذلك الأئمة المعاصرون لمسلم، كالإمام البخاري والنسائي والترمذي وأبي داود وابن ماجه، وكما يقتضي ذلك الترتيب الخاص للإمام مسلم في صحيحه بحسب الخصائص الإسنادية.
هذا وقد وضع الإمام النووي لهذه المجموعة من الأحاديث ثلاثة عناوين: الاستطابة، وآداب قضاء الحاجة، وآداب الاستنجاء وكراهة استقبال القبلة وقت قضاء الحاجة، كما في شرح النووي بطبعته القديمة، الطبعة الثانية 1392هـ - 1972م، ناشرها دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان.
إلا أن الطبعة الجديدة المرقمة، ناشرها دار القلم، بيروت، لبنان، خلت عن تلك العناوين، إلا عنوان الاستطابة، فاعتمد عليها الأستاذ، وخلط بين هذه الأحاديث وجعلها تحت باب واحد، أي باب الاستطابة، فقال ما يلي:
"صدر مسلم هذا الباب - باب الاستطابة - بحديث سلمان. . . أخرجه من طريقين من الدرجة الأولى مدارهما على الأعمش ومنصور ثم عقبه بحديث جابر من طريق فيها أبو الزبير من الدرجة الثانية 4، 5 أخرجه من حديث أبي أيوب من طريقين من الدرجة الأولى مدارهما على سفيان عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي أيوب الأنصاري - رضي الله عنه - وهو حديث متفق عليه، أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان به، وأخرجه في الوضوء قال: حدثنا آدم حدثنا ابن أبي ذئب، عن الزهري به".
"ثم أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة من طريق سهيل بن أبي صالح، ثم ختم مسلم الباب بحديث ابن عمر من طريقين من الطبقة الأولى وهو من الأحاديث المتفق عليها، ولفظه:"ارتقيت على بيت حفصة فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته. . ."الحديث. أخرجه البخاري في الوضوء، ويلتقي مسلم والبخاري فيه في يحيى بن سعيد، عن محمد بن حبان، عن واسع بن حبان، عن عبد الله بن عمر".
"وحديث 148 ويلتقي مسلم والبخاري في عبيد الله بن عمر، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن واسع بن حبان، عن عبد الله بن عمر، ثم أخرجه البخاري رقم 149 قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا يزيد بن هارون قال: أخبر (؟) يحيى عن محمد بن حبان به".
"فهل نقول: ما أخره مسلم وهو مستحق أن يقدم إلا أنه أدرك فيه علة؟ أو نطرح بهذا القول الفارغ وراء الدنيا، ومن المناسبات أن هذا الأخير المتفق عليه من حديث عبيد الله، والحمد لله الذي يدافع عن دينه وعن سنة نبيه الصادق الأمين بفضح مثل هذه الترهات"اهـ.
أقول: إن الأستاذ جعل هذه الأحاديث تحت باب عام، لأنه لم يكن ذا بصيرة بفقه الحديث واستنباطات فقهاء المحدثين من الحديث، أو ربما لتقليده الخطأ الذي وقع في شرح النووي، بطبعته الجديدة تقليدًا أعمى - كأنه من عند الإمام مسلم - أدى به إلى ما وقع فيه من الوهم، إلا أن من ينظر في الأحاديث بإمعان يتبين له أنها مفرقة بحسب الموضوعات التي اشتملت عليها كما سنوضحه.
وعجبًا كيف لم يدرك الأستاذ ذلك فنراه يتساءل بكل جرأة واغترار قائلًا:"فهل نقول ما أخره مسلم وهو مستحق أن يقدم إلا لأنه أدرك فيه علة؟ أو نطرح بهذا القول الفارغ وراء الدنيا؟ ومن المناسبات أن هذا الأخير المتفق عليه من حديث عبيد الله، والحمد لله الذي يدافع عن دينه وعن سنة نبيه الصادق الأمين بفضح مثل هذه الترهات".
وللإجابة عن هذا أقول - ولله الفضل كله - لا أستحسن أن تجعل هذه الأحاديث كلها تحت عنوان (الاستطابة) ؛ ذلك لأن الأحاديث من رقم 4 إلى رقم 7 لا تحتوي على ما يتعلق بالاستطابة والاستنجاء، وإنما يحتوي على آداب قضاء الحاجة، والنهي عن استقبال القبلة واستدبارها وقت قضاء الحاجة، والرخصة فيها.
والذي يناسب هنا أن يبوب لهذه الأحاديث تبويبًا مناسبًا لكل منها، فالحديث الأول والثاني يناسب أن يبوب لهما"باب النهي عن الاكتفاء في الاستطابة بأقل من ثلاثة أحجار"كما بوب له الإمام النسائي، أو بعنوان آخر يناسب محتواه.
وحديث جابر يناسب أن يبوب له باب ما ينهي أن يستنجي به، كما بوَّب له به الإمام أبو داود، وكذا الإمام الترمذي، لأنه أشار إلى هذا الحديث بقوله:"وفي الباب"تحت عنوان: باب كراهية ما يستنجي به.
وأما الحديثان الرابع والخامس فيبوب لهما"باب النهي عن استقبال القبلة بغائط أو بول"كما بوب به الإمام البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه.
والحديث السادس والسابع يعنون لهما بعنوان"الرخصة في الاستقبال"كما عنون به الإمام الترمذي والنسائي وأبو داود وابن ماجه.
ويؤيد ذلك ما سنلمسه في هذه المجموعة من ترتيب الإمام مسلم لها حسب الخصائص الإسنادية، فذكر في الباب الأول حديث سلمان من طريق أبي معاوية ووكيع وسفيان جميعهم رووه عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن سلمان، ولسفيان في هذا الحديث شيخ آخر، وهو منصور، وجمع الإمام مسلم بين هذه الطرق ورتبها، إذ قدم رواية أبي معاوية ووكيع على رواية سفيان لعلُّوها وتسلسلها بالكوفيين، وشهرتها في بلد صاحب الحديث وخارجه، يعني الكوفة وخارجها.
أما العُلو فإن ما بين الأعمش صاحب الحديث وبين مسلم في الطريق الأولى راويان، وفي الثانية ثلاثة رواه، والحديث العالي أولى وأصح وأسلم من الحديث النازل إذا كان العالي بإسناد صحيح.
والتسلسل بالكوفيين فلأن رواة الأولى جميعهم كوفيون، دون الثانية فإنهم كوفيون وبصريون، والشهرة في الكوفة وخارجها فلأن مسلمًا سمعه من أبي بكر بن أبي شيبة الكوفي، ويحيى بن يحيى النيسابوري، وليس الأمر كذلك في الثانية.
وعليه فأحاديث الباب الأول مرتبة ترتيبًا علميًا بحسب الخصائص الإسنادية مع كونها صحيحة وسليمة، ومتأصلًا بها في الباب.
والباب الثاني أورد فيه مسلم حديثًا واحدًا عن جابر بإسناد نظيف وصحيح، وقد تبين مما سبق أن أبا الزبير من رجال الطبقة الأولى عند الإمام مسلم، وأما احتمال أن يكون دلس عن جابر فقد زال هنا بتصريحه أنه سمعه منه.
والباب الثالث أورد فيه حديث أبي أيوب أولًا، وحديث أبي هريرة ثانيًا لما في الأول من الأمور العلمية والميزات الإسنادية ما يجعله أسلم وأصح من الثاني، مثل الشهرة والعلو.
أما الشهرة فإن حديث أبي أيوب اشتهر برواية الزهري، واتفق على تخريجه الإمام البخاري من طريقين عن الزهري، على أن مسلمًا سمعه من شيوخه المعروفين زهير بن حرب وابن نمير ويحيى بن يحيى، وليس الأمر كذلك في حديث أبي هريرة.
وأما العلو فباعتبارين، أحدهما اعتبار قلة العدد من الرواة بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين مسلم في حديث أبي أيوب فإنهم خمسة رواة، وعددهم في الحديث الثاني ثمانية.
والثاني اعتبار ما بين مسلم والزهري الذي يدور عليه الحديث من قرب، لأنه يتوسط بينهما في أغلب الأحيان أكثر من راويين، بخلاف الإمام البخاري فإن بينه وبين الزهري راويان في الأعم فتساويا هنا في القرب عن الزهري.
هذه الخصائص الإسنادية تجعل حديث أبي أيوب أسلم وأصح من حديث أبي هريرة، ومن هنا تبرز الدقائق العلمية التي أودعها مسلم في ترتيبه بينهما، تلك هي الحقيقة الثابتة في صحيح مسلم، بها تتحطم الترهات، ويصدع الحقُّ فيدمغه.
والباب الرابع ذكر فيه مسلم حديث عبد الله بن عمر من طريقين: طريق يحيى بن سعيد وطريق عبيد الله بن عمر، مراعيًا الترتيب العلمي إذ قدم حديث يحيى بن سعيد على حديث عبيد الله بن عمر، ذلك لأن الإسناد الأول مسلسل بالحجازيين، دون الثاني فإنه حجازي ثم كوفي، فالحديث الذي تناقله الحجازيون أولى من غيره عند المحدثين.
(1) يعني قال الزهري: نعم، أنا سمعته، وهو جواب لسؤال سفيان بن عيينة، قوله:"واللفظ له"يعني أن الحديث الذي يذكره مسلم هو بلفظ يحيى بن يحيى، احتاج إلى هذا التنبيه لأنه جمع بين شيوخه زهير بن حرب وابن نمير ويحيى بن يحيى.