يقول الحافظ العراقي - رحمه الله - في شرحه على ألفيته 1/72:
"وفيه - أي صحيح مسلم - مواضع يسيرة رواها بإسناده المتصل ثم قال: رواه فلان، وهذا ليس من باب التعليق، وإنما أراد ذكر من تابع رواية الذي أسنده من طريقه عليه، أو أراد بيان الخلاف في السند كما يفعل أهل الحديث، ويدل على أنه ليس مقصوده بهذا إدخاله في كتابه أنه يقع في بعض أسانيد ذلك من ليس هو شرط مسلم كعبد الرحمن بن خالد بن مسافر".
فبهذا أصبح الحافظ العراقي يقر بأن مسلمًا يبين الخلاف في السند، بعد الاحتجاج بالحديث الصحيح، وليس ذلك إلا على سبيل الاستطراد، وفي نفس الوقت لم يكن ذلك غريبًا من الإمام مسلم، بل يفعل ذلك أهل الحديث أيضًا.
ابن رشيد الفهري:
يقول ابن رشيد الفهري - رحمه الله - في كتابه (السنن الأبين) ، ص: 87:
"وأما أنت فظهر من فعلك في كتابك أنك لم يصفُ عندك كدر الإشكال في هذا الحديث، فأوردت في كتابك حديث مالك مصدرًا بها بناءً على اعتقادك فيه الاتصال وفي غيره الانقطاع، فقلتَ: حدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عمرة، عن عائشة قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا اعتكف يدني إليَّ رأسه فأُرجِّله. . .، ثم أتبعته باختلاف الرواة فيه على شرطك من أنك لا تكرر إلا لزيادة معنى أو إسناد يقع إلى جنب إسناد لعلة تكون هناك، فقلت حدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا ليث - ح - وحدثنا محمد بن رمح قال: أخبرنا الليث عن ابن شهاب، عن عروة وعمرة ابنة عبد الرحمن أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم. . ."الحديث.
فابن رشيد الفهري فهم من منهج مسلم الذي أعلنه في المقدمة أن الإمام مسلمًا إنما قدم حديث مالك، عن الزهري وصدر به الباب لكونه سليمًا لا إشكال فيه، ثم أتبعه بحديث الليث عن الزهري لأنه لم يسلم من الانقطاع في رأيه، ولم يصف عنده كدر الإشكال فيه.
وهذا هو الترتيب العلمي الذي فهم منه ابن رشيد أن حديث مالك أصح وأسلم من حديث الليث، ويلاحظ أن هذا ترتيب أحاديث أهل الاستقامة والإتقان فيما بينهم.