ولما أحس الأستاذ بأنه سيصطدم بالواقع من أجل إنكاره وجود الأخبار المعللة وشرح علتها وإيضاحها في الصحيح ظل يصحح تلك الأحاديث المعلولة التي اتفق النقاد على علتها والتي هي محل بيان العلل في صحيح مسلم ضاربًا اتفاقهم عرض الحائط. وهذا الموقف منه طبيعي إذا علمنا طريقة دراسته التي أساسها ترجمة الرواة وتحديد مراتبهم، وليس بخاف على أحد من طلبة الحديث أن العلة أمر خفي لا يدرك من ظاهر السند فإن ظاهره يكون سليمًا.
وهذا النوع من البحث الذي يرتكز على ظواهر الإسناد من غير بحث عن القرائن التي تحف به لن تكون نتائجه إلا خاطئة، وبذلك أصبح هو مخالفًا للإمام مسلم نفسه وغيره من الأئمة النقاد.
وإذا عرفنا طريقة الإمام مسلم في شرح العلل في صحيحه فإن الشبهات التي أثارها الأستاذ سرعان ما تتبدد، وشأن هذه الأحاديث المعلولة هو شأن الموقوفات والمراسيل والمعلقات التي وقعت في الصحيحين سواء بسواء، حيث لم يلحظ في ذكر هذه الأنواع من الأحاديث في الصحيحين شيء من التناقض لكونها واردة خارج أصولهما وتبعًا لمناسبات خاصة اقتضت منهما فعل ذلك.
ومن الجدير بالذكر أن شرح العلل وبيانها في المسند الصحيح على الوجه المذكور لا يعد من خصائص منهج الإمام مسلم دون غيره وإنما ذلك من عادة الأئمة النقاد في تصانيفهم كالصحاح والسنن.
وكنت قد صرحت له من قبل في شتى المناسبات بأن بيان العلل في صحيح مسلم إنما يكون على سبيل الاستطراد وبذكر وجوه الاختلاف وليس بترتيب الأحاديث، وأن ترتيب الأحاديث أمر لا صلة له بشرح العلل أصلًا، فإنهما مسألتان مختلفتان ولا تلازم بينهما ولكل منهما مجال خاص.
بيد أن الإمام مسلمًا إذا أراد أن يوضح العلل في موضع ما من الصحيح لوجود مناسبة دعته إليه لن يكون منه ذلك الإيضاح إلا بذكر وجوه الاختلاف في آخر الباب في الغالب، ولا يفهم من هذا أبدًا أن كل حديث متأخر في أي باب من الأبواب يكون معلولًا، فإن الإمام مسلمًا التزم صحة الأحاديث في كتابه كله، ولهذا أصبح الكتاب من الصحاح، وأما إذا استدعى السياق منه إيضاح علة لحقت بإحدى الروايات فلا يمنعه ذلك الالتزام من أن يأتي بها ويشرحها.
وعلى الرغم من ذلك كله فإن الأستاذ المؤلف أبى إلا أن يخلط بين المسألتين المنفصلتين، ثم يقول:"إن المليباري يدعي أن الإمام مسلمًا التزم في صحيحه بيان العلل، وأن البيان يتمثل في ترتيب أحاديثه في الصحيح"، وبنى كتابه"منهج مسلم"على هذين الأمرين الخياليين، ولم أقل أبدًا إنه التزم بيان العلة في صحيحه، وإنما قلت إنه أحيانًا يبين العلة على سبيل الاستطراد، وكذلك لم أقل إن شرح العلة إنما هو عن طريق ترتيب الأحاديث، ثم أبرز الأستاذ مهارته العجيبة في تلاعبه بنصوصي وعباراتي الواضحة في فصل المسألتين وكيفية شرح العلة، حتى يتمكن له من توجيه التهم صوب عقيدتي التي أنعم الله علي بسلفيتها، كما سيأتي الحديث عن ذلك بشيء من التفصيل في الملحق الخاص في آخر هذا البحث إن شاء الله تعالى.
وجدير بالذكر أن الإمام مسلمًا لا يورد في صحيحه حديثًا معلولًا إلا على سبيل الاحتياط أو الاستئناس، أو التتبع وبيان العلة، أو الاستشهاد من الحديث بما لم تؤثر فيه علته، ولا يذكر - رحمه الله - ذلك النوع المعلول من الأحاديث في أصل الموضوع ولا في أول الباب ثم يعتمد عليه، وبالمثال يتضح المقال.
مثاله: حديث سالم عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"من ابتاع نخلًا بعد أن تؤبر فثمرتها للذي باعها إلا أن يشترط المبتاع، ومن ابتاع عبدًا فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع". أورده الإمام مسلم - رحمه الله - في آخر باب"من باع نخلًا عليها تمر"من كتاب البيوع (10/191) من عدة طرق تدور كلها على الإمام الزهري عن سالم به.
مسألة العبد في هذا الحديث اختلف فيها سالم ونافع رفعًا ووقفًا، رفعها سالم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ووقفها نافع على عمر وجعلها قولًا له. يقول الحافظ ابن حجر وغيره من الأئمة - رحمهم الله:"جزم مسلم وغيره بترجيح رواية نافع على رواية سالم" (1) .
وعلى هذا فرواية سالم برفع مسألة العبد في هذا الحديث معلولة وغير ثابت عند الإمام مسلم. فإيراد مسلم - رحمه الله - هذا الحديث المعلول في صحيحه لم يكن إلا على سبيل الاستئناس أو الاحتياط، أو الاستشهاد بطرفه الأول الذي لم تؤثر فيه علته، ومما يلاحظ أن الإمام مسلمًا لم يذكر حديث سالم في أول الباب، ولم يعتمد عليه، وإنما جعل في أصل الموضوع حديث نافع عن ابن عمر، الذي لم يختلف الأئمة في صحته، وصدر به الباب لكونه أصح ما ورد فيه من الروايات عنده.
ومما يؤيد ذلك - أي استشهاده بالطرف الأول من الحديث - أن مسالة العبد التي هي الجزء الأخير منه لا علاقة لها بموضوع الباب الذي ساقها فيه ولا بالمواضع التي قبله أو بعده، لأنها كلها في بيع الثمار وما يتعلق به من المحاقلة والمزابنة، والله أعلم.
وهذا مثال آخر: روى الإمام مسلم - رحمه الله - بسنده عن سعيد بن عبيد حدثنا بشير بن يسار الأنصاري عن سهل بن أبي حَثْمة الأنصاري أنه أخبره أن نفرًا منهم انطلقوا إلى خيبر فتفرقوا فيها فوجدوا أحدهم قتيلًا، - وساق الحديث، وفيه:"فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبطل دمه فوَداهُ مائة من إبل الصدقة". (كتاب القسامة 11/151 مع شرح النووي) .
وحديث سعيد بن عبيد هذا أعله الإمام مسلم في كتابه"التمييز"ص:144، لقد قال فيه:
"هذا خبر لم يحفظه سعيد بن عبيد على صحته ودخله الوهم حتى أغفل موضع حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم على جهته".
وقال - أيضًا - بعد أن ساق جميع ما رواه مسلم هنا في صحيح من الروايات عن يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار وغيرهما:
"وليس في شيء من أخبارهم أن النبي صلى الله عليه وسلم سألهم البينة، إلا ما ذكر سعيد بن عبيد في خبره، وترك سعيد القسامة في الخبر فلم يذكره، وتواطؤ هذه الأخبار التي ذكرناها بخلاف رواية سعيد يقضي على سعيد بالغلط والوهم في خبر القسامة" (التمييز، ص:146) .
والإمام مسلم إذ رواه من طريق سعيد بن عبيد في صحيحه لم يقصد إلا الاستشهاد بجزء الحديث الذي لم تضره المخالفة، ولهذا قال- رحمه الله - في صحيحه:
"وساق الحديث، وقال فيه: فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبطل دمه فوداه مائة من إبل الصدقة".
وهذا الجزء من الحديث ثبت من رواية يحيى بن سعيد، ولهذا أيضًا لم يسق لفظه بكامله، ولم يحله إلى حديث يحيى بن سعيد الذي ذكره مسلم قبله وصدر به الباب، بل اكتفى بقوله:"وساق الحديث"، دون قوله:"مثله"أو"نحوه".
ولم يجعل حديث سعيد بن عبيد المعلول في أصل الموضوع، ولم يصدر به الباب، وإنما ذكره بعد الروايات الصحيحة النظيفة عن بشير بن يسار.
ومن المناسبة أننا نجد الإمام مسلمًا يصرح في كتابه التمييز، ص:146:"رواية بشير بن يسار أصح الروايتين"ثم يختم كلامه بما نصه:"وحديث بشير بن يسار في القسامة أقوى الأحاديث وأصحها". يعني أقوى وأصح من رواية أبي ليلى، عبد الله بن عبد الرحمن، عن سهل بن أبي حثمة، ولهذا قدم مسلم في صحيحه رواية بشير بن يسار، وصدر به الباب، وأخر رواية أبي ليلى.
وفي ضوء هذين المثالين والأمثلة التي سنذكرها إن شاء الله نقول: إن الإمام مسلمًا قد يورد في صحيحه حديثًا معلولًا لكن لم يكن ذلك منه إلا على سبيل الاحتياط أو الاستئناس أو التتبع وشرح العلة أو الاستشهاد من الحديث بما لم تؤثر فيه علته، وأما أن يورد ذلك النوع المعلول من الأحاديث في أصل الموضوع معتمدًا عليه فلا.
ولقد جعلت هذا البحث في ثلاثة محاور وخاتمة: المحور الأول في نصوص الإمام مسلم الواردة في صدد بيان منهجه في ترتيب أحاديث كتابه الصحيح وشرح العلل، والمحور الثاني في سرد آراء العلماء حول ذلك المنهج، والمحور الثالث في دراسة مجموعة من الأحاديث التي استدل بها الأستاذ لإنكار منهج خاص للإمام مسلم في الترتيب، وأما الخاتمة فلتلخيص أهم نتائج البحث.
وما أخصه هنا بالذكر أنني - بفضل الله تعالى - قد عالجت في بحثنا هذا القضايا العلمية التي ذكرتها آنفًا، بعيدًا عن أسلوب الأخذ والرد مع الأستاذ الفاضل لكي لا يزج بنا في متاهات الجدل العقيم، ولكي نحقق الغاية العلمية المرجوة من إعداد البحث، ولم نكن نقصد وراء هذا البحث تقليل شأن الأستاذ ولا النيل من شخصيته، غير أننا قد جعلنا في آخر هذا البحث ملحقًا لبيان صنيع الأستاذ في كتابه، وذلك في سبيل الدفاع عن أعراضنا التي أهدرها هو لا لشيء سوى لأني بينت له خطأه، ورغم ذلك فإن الأستاذ يظل محترمًا لدي.
وفي الختام أقدم شكري الجزيل إلى كل من ساعدني في إخراج هذا البحث في صورته الحالية. والله تعالى أسأل أن يجعل عملي هذا خالصًا لوجهه الكريم وأن ينفعني وإخواني المسلمين بما فيه من صواب ويقيني وإياهم شر ما فيه من خطأ وهو على كل شيء قدير، نعم المولى ونعم النصير.
(1) انظر فتح الباري 4/402، ومقدمته"الهدى"ص: 361، وفتح المغيث للسخاوي 1/212، وشرح الزرقاني للموطأ 3/253، وسنن البيهقي 5/325، والتهذيب لابن القيم 5/79.