فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 57

"فأما ما كان منها عن قوم هم عند أهل الحديث متهمون، أو عند الأكثر منهم فلسنا نتشاغل بتخريج حديثهم كعبد الله بن ميسور أبي جعفر المدائني، وعمرو بن خالد، وعبد القدوس الشامي، ومحمد بن سعيد المصلوب، وغياث بن إبراهيم، وسليمان بن عمرو بن أبي داود النخعي، وأشباههم ممن اتهم بوضع الأحاديث وتوليد الأخبار، وكذلك من الغالب على حديثه المنكر أو الغلط، أمسكنا أيضًا عن حديثهم، وعلامة المنكر في حديث المحدث إذا ما عرضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضى خالفت روايته روايتهم، أو لم تكد توافقها، فإذا كان الأغلب من حديثه كذلك كان مهجور الحديث غير مقبوله ولا مستعمله".

"فمن هذا الضرب من المحدثين عبد الله بن مُحَرَّر، ويحيى بن أبي أُنيسة، والجرَّاح بن المنهال أبو العَطُوف، وعباد بن كثير، وحسين بن عبد الله بن ضُمَيرة، وعمر بن صُهْبان، ومن نحا نحوهم في رواية المنكر من الحديث فلسنا نعرج على حديثهم ولا نتشاغل به، لأن حكم أهل العلم والذي نعرف من مذهبهم في قبول ما يتفرد به المحدث من الحديث أن يكون قد شارك الثقات من أهل العلم والحفظ في بعض ما رووا وأمعن في ذلك على الموافقة لهم، فإذا وجد كذلك ثم زاد شيئًا ليس عند أصحابه قبلت زيادته".

"فأما من تراه يعمد لمثل الزهري في جلالته وكثرة أصحابه الحفاظ المتقنين لحديثه وحديث غيره، أو لمثل هشام بن عروة، وحديثهما عند أهل العلم مبسوط مشترك قد نقل أصحابهما عنهما حديثهما على الاتفاق منهم في أكثره، فيروى عنهما، أو عن أحدهما العددَ من الحديث مما لا يعرفه أحد من أصحابهما، وليس ممن قد شاركهم في الصحيح مما عندهم فغير جائز قبول حديث هذا الضرب من الناس، والله أعلم".

"قد شرحنا من مذهب الحديث وأهله بعض ما يتوجه به من أراد سبيل القوم ووفق لها، وسنزيد إن شاء الله تعالى شرحًا وإيضاحًا في مواضع من الكتاب عند ذكر الأخبار المعللة إذ أتينا عليها في الأماكن التي يليق بها الشرح والإيضاح إن شاء الله تعالى". انتهى كلام الإمام مسلم.

فهذا ما صرح به الإمام مسلم حول منهجه الذي يتبعه في كتابه الصحيح، ونلخصه في الأمور الآتية:

1 -بين موضوع الكتاب، وهو الأحاديث الصحيحة المسندة، دون استيعاب.

2 -قسم الأحاديث المرفوعة ثلاثة أقسام، وثلاث طبقات من رواتها.

3 -بين الأقسام الثلاثة من الأخبار، والطبقات الثلاث من الرواة، أما الطبقة الأولى فهم أهل الإتقان والاستقامة في الرواية، يعني لم يوجد في رواياتهم وَهْمٌ ولا تخليط إلا نادرًا.

والطبقة الثانية هم أهل الستر والصدق، يعني الضعفاء الذين لم يبلغ ضعفهم حد الترك والنكارة بأن يكونوا متهمين بالكذب أو الفسق أو غير ذلك، أو بأن يكونوا كثيري الغلط، أو فاحشي الخطأ، ومثل لهم بعطاء بن السائب، وليث بن أبي سليم ويزيد بن أبي زياد، وأضرابهم من الضعفاء الذين يصلحون للمتابعة والاعتبار.

والطبقة الثالثة هم المتهمون بالكذب، أو الفسق، أو الذين يخطئون خطأ فاحشًا، ومثل لهم بعبد الله بن المسور وغياث بن إبراهيم وسليمان بن عمرو وأشباههم.

وأما الأقسام الثلاثة من الأخبار فالأول ما رواه أهل الطبقة الأولى،

والثاني ما رواه أهل الطبقة الثانية،

والقسم الثالث ما رواه أهل الطبقة الثالثة.

وجدير بالذكر أن هذا القسم هو المشهور والمعروف عند الأئمة النقدة، ويشمل ذلك كل أصناف الرواة أعلاهم وأدناهم مرتبة، وتكون الطبقة الأولى الثقات، على اختلاف مستواهم في الإتقان والإمامة، والطبقة الثانية الضعفاء الذين يصلحون للاعتبار والمتابعة على اختلاف درجتهم في الحفظ والضبط أو في الخطأ والوهم، والطبقة الثالثة المتروكون الذين لا يصلحون للاعتماد ولا للاعتبار.

وعن عبد الرحمن بن مهدي:"الناس ثلاثة:"

رجل حافظ متقن فهذا لا يختلف فيه،

وآخر يهم والغالب على حديثه الصحة، فهذا لا يترك حديثه،

وآخر يهم والغالب على حديثه الوهم فهذا يترك حديثه" (1) ."

وقد قسم الإمام الترمذي - رحمه الله - أيضًا الرواة على هذا النحو، غير أنه جعل طبقة المتروكين على قسمين:

المتروكين بتهمة الكذب،

والمتروكين بغلبة النكارة على أحاديثهم،

وقد جعلهما الإمام مسلم - رحمه الله - كما ترى قسمًا واحدًا؛ لأن حكمهما واحد، وهو الترك (2) .

بيد أن المتأخرين من الأئمة قسموا الرواة إلى أكثر من ثلاثة أقسام، حتى إن بعضهم جعلوهم في اثنتي عشر مرتبة، وذلك نظرًا إلى أن الثقات ينقسمون إلى أقسام حسب تفاوتهم في حالة الإتقان والضبط. وكذا الضعفاء تتنوع مراتبهم. ولكن على ضوء تقسيم الأئمة النقاد لرواة الحديث فإن الطبقة الأولى منهم تشمل جميع أصناف الثقات، لأنهم جميعًا في مرتبة الاحتجاج.

هذا بالنسبة إلى تقسيم عام للرواة، أما تصنيف الرواة على شكل مفصل وفي ضوء صلتهم بالمدارس الحديثية - كالإمام الزهري وقتادة وغيرهما - فإنه يمكن تقسيمهم إلى أكثر من ثلاث مراتب، كما ورد ذلك عن علي بن المديني وغيره من النقاد، حيث قسم علي بن المديني رواة نافع إلى اثنتي عشر صنفًا.

وما لاحظناه أثناء مقارنتنا بين المتقدمين والمتأخرين في تقسيم الرواة أن صنيع المتقدمين هو الأنسب للواقع من تقسيم المتأخرين، لأننا إذا نظرنا في الرواة بشكل عام من غير تقييدهم بشيوخهم نجد صعوبة كبيرة في تطبيق ما وقع في تقسيم المتأخرين من المراتب على آحاد الرواة، وذلك لأن ألفاظ التوثيق تختلف من ناقد لآخر ولا تتفق عادة، فقد نجدهم يطلقون على راو بصيغ مختلفة مثل كلمة"أوثق الناس"وكلمة"ثقة"و"صدوق"و"ثبت"و"حجة"إضافة إلى ألوان أخرى من الاختلاف، فالسؤال الذي يطرح هنا ما هي الصيغة المعتبرة في تصنيف ذلك الراوي؟ هل هي صيغة"أوثق الناس"أو صيغة"ثقة"أو"صدوق"أو"ثبت"أو"حجة"؟ وفي الواقع أن النقاد في مثل هذه المناسبة لا يقصدون بإطلاق صيغهم مخالفة غيرهم، فإن كلمة"الثقة"تفيد معنى كلمة"أوثق الناس"، كما تفيد"الحُجة"و"الثبت"، وكل ذلك تبعًا لمناسبة توثيقهم للرواة، وبالتالي فإن تقسيم الرواة بشكل عام من غير نظر إلى شيوخهم لا يستقيم إلا على الشكل الذي قسمه نقاد الحديث، ولا أظن أن هذا الأمر بحاجة إلى استدلال بسرد الأمثلة.

4 -كان - رحمه الله تعالى - يتوخى تقديم أسلم الأحاديث وأصحها، ثم يتبعها بأدناها سلامة وصحة وذلك حين يضم الباب أحاديث الطبقة الأولى والطبقة الثانية، وكذلك إذا ذكر في الباب أحاديث الطبقة الأولى وحدها فإنه يتحرى أيضًا تقديم الأصح فالأصح، كما يتجلى ذلك لمن دقق النظر والبحث في تضاعيف كتابه الصحيح.

فهذا هو الترتيب العلمي والمبني على الخصائص الإسنادية، والميزات العلمية التي تكمن في رواة الحديث وفي كيفية روايتهم له، أو في سياق المتن، كما سيأتي نماذجه - إن شاء الله تعالى -.

5 -يتجنب - رحمه الله تعالى - تخريج أحاديث الطبقة الثالثة، واشتغاله بها في صحيحه وفي غيره، وهم الذي تعتبر أحاديثهم متروكة أو واهية.

6 -يتناول الإمام مسلم بيان العلل في مواضع من الكتاب حسب المناسبة، وعلى سبيل التبع، وأن العلل على معناها المعروف عند المحدثين دون سواهم.

7 -ولا يكرر - رحمه الله - ذكر الأحاديث إلا لضرورة، كأن يكون الحديث قصيرًا ومشتملًا على أكثر من موضوع، وقد صعب عليه تقطيعه وتجزئته حسب موضوعاته التي احتوى الحديث عليها، أو أن يكون في إسناد الحديث أمر يقتضي منه إعادة حديث سابق بسنده ومتنه حلاًّ لما وقع في ذلك الإسناد من علة أو تحقيقًا لفائدة اسنادية أو غرض علمي.

وهذه الأمور التي لخصناها من كلام الإمام مسلم - رحمه الله - كلها واضحة وجلية بيد أننا بمسيس الحاجة إلى توضيح هذه الأمور وبيان ملابساتها فنقول:

أولًا: إن موضوع صحيح الإمام مسلم هو الأحاديث الصحيحة المسندة، دون استيعابها، وعليه فإن الآثار الموقوفة، والأحاديث المرسلة والمنقطعة والمعلولة والضعيفة جميع هذه الأنواع منافية لموضوع الكتاب، وإذا تطرق فيه صاحبه لشيء منها يعد ذلك خرقًا لموضوعه وإخلالًا بشرطه فيه، وبالتالي لا يصنف الكتاب ضمن الصحيح، بل يعد من المصنفات مثل مصنف ابن أبي شيبة وغيره، هذا فقط إذا أورد الإمام مسلم هذه الأنواع في أصول الكتاب، وأما إذا ذكرها خارج الأصول على سبيل الاستطراد والندرة ولغرض جانبي فلا يشكل ذلك خرقًا لموضوع الكتاب أبدًا، ومع ذلك يظل الكتاب متبوئًا مرتبته من الصحاح.

يقول الحافظ ابن حجر - رحمه الله:". . . بل جمع مسلم الطرق كلها في مكان واحد، واقتصر على الأحاديث، دون الموقوفات فلم يعرج عليها إلا في بعض المواضع على سبيل الندرة تبعًا لا مقصودا" (3) .

ولا أظن أحدًا يفهم من قول الحافظ بن حجر هذا أن موضوع صحيح الإمام مسلم ليس الأحاديث المرفوعة فحسب، بل هي والآثار الموقوفة أيضًا، كما لا يفهم أحد من ذلك أن الحافظ بن حجر يدعي بأن الإمام مسلمًا قد أخل بشرطه في صحيحه، وأنه ألحقه في صنف المصنفات، كلا، لأنه قال: لم يعرج الإمام مسلم على الموقوفات إلا في بعض المواضع على سبيل الندرة تبعًا لا مقصودًا.

ونحن نريد بهذا الاستطراد أن نلفت الانتباه إلى ما أكّده علماؤنا سابقًا أن الصحيحين يضمان الأصول والمتابعات، أو بعبارة أخرى المقاصد وخارجها، وأن الإمامين قد يأتيان في المتابعات بما لم تتوافر فيه شروط الصحيح لأغراض علمية ثانوية، ونعرض هنا على سبيل المثال لا على سبيل الحصر ما صرح به أئمتنا في هذا الصدد .

يقول الإمام ابن الصلاح:"الثاني أن يكون ذلك واقعًا في الشواهد والمتابعات، لا في الأصول، وذلك بأن يذكر الحديث أولًا بإسناد نظيف رجاله ثقات، ويجعله أصلًا، ثم يتبع ذلك بإسناد آخر. . .".

ومن هنا قال متحفظًا:"جميع ما حكم مسلم بصحته من هذا الكتاب فهو مقطوع بصحته" (4) ، يعني جميع ما ذكره في الأصل محكوم بصحته، ولم يقل - رحمه الله - جميع ما ذكره في الصحيح فهو مقطوع بصحته بل قال: جميع ما حكم مسلم بصحته من هذا الكتاب فهو مقطوع بصحته. والله أعلم.

ويقول أيضًا:"القول بأن ما انفرد به البخاري أو مسلم مندرج في قبيل ما يقطع بصحته، لتلقي الأمة كل واحد من كتابيهما بالقبول على الوجه الذي فصلناه من حالهما فيما سبق، سوى أحرف يسيرة تكلم عليها بعض أهل النقد من الحفاظ، كالدارقطني وغيره، وهي معروفة عند أهل هذا الشأن (5) ، والله أعلم".

ويقول أيضًا:"ثم إن ما يتقاعد من ذلك عن شرط الصحيح قليل، يوجد في كتاب البخاري في مواضع من تراجم الأبواب دون مقاصد الكتاب وموضوعه، الذي يشعر به اسمه الذي سماه به، وهو"الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه"."

(1) شرح العلل، لابن رجب الحنبلي ص: 93 وما قبلها. وكتاب التمييز للإمام مسلم ص: 132.

(2) المصدرين السابقين .

(3) الساري مقدمة فتح الباري للحافظ ابن حجر ، ص:12.

(4) صيانة صحيح مسلم ص:195 .

(5) علوم الحديث المشهور بمقدمة ابن الصلاح ص:5.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت