فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 57

"وإلى الخصوص الذي بيناه يرجع مطلق قوله - يعني الإمام البخاري:"ما أدخلت في كتاب الجامع إلا ما صح"، وكذلك مطلق قول الحافظ أبي نصر الوايلي السجزي:"أجمع أهل العلم - الفقهاء وغيرهم - على أن رجلًا لو حلف بالطلاق: أن جميع ما في كتاب البخاري مما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قد صح عنه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاله لا شك فيه، أنه لا يحنث، والمرأة بحالها في حبالتها"."

"وكذلك ما ذكره أبو عبد الله الحميدي في كتابه (الجمع بين الصحيحين) من قوله:"لم نجد من الأئمة الماضين رضي الله عنهم أجمعين من أفصح لنا في جميع ما جمعه بالصحة إلا هذين الإمامين"، التراجم ونحوها لأن في بعضها ما ليس من ذلك قطعًا. مثل قول البخاري"باب ما يذكر في الفخذ، ويروى عن ابن عباس وجرهد ومحمد بن جحش، عن النبي صلى الله عليه وسلم: الفخذ عورة"، وقوله في أول باب من أبواب الغسل:"وقال بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم: الله أحق أن يستحى منه"، فهذا قطعًا ليس من شروطه، ولذلك لم يورده الحميدي في (جمعه بين الصحيحين) فاعلم ذلك فإنه مهم خاف (1) ، والله أعلم".

ويقول الإمام النووي:"وهذا الاستدراك فاسد؛ لأن مسلمًا لم يذكره متأصلًا، وإنما ذكره متابعة للطرق الصحيحة السابقة، وقد سبق أن المتابعات يحتمل فيها الضعف، لأن الاعتماد على ما قبلها، وقد سبق ذكر مسلم لهذه المسألة في أول خطبة كتابه وشرحناه هناك، وأنه يذكر بعض الأحاديث الضعيفة متابعة للصحيح (2) . فوجدنا الإمام النووي يقر بوجود الأحاديث الضعيفة في صحيح مسلم، ويبرر وجود ذلك بأنها قد أوردها الإمام مسلم خارج الأصول وعلى سبيل القلة، ولم يوردها اعتمادًا عليها."

ويقول أيضًا في 2/111:"ومع هذا فمسلم - رحمه الله - لم يذكر هذا الإسناد معتمدًا عليه، إنما ذكره متابعة"، إلى أن قال:"وأما رواية الأوزاعي فذكرها متابعة، وقد تقرر عندهم أن المتابعات يحتمل فيها ما فيه نوع ضعف، لا لكونها الاعتماد عليها، وإنما هي لمجرد الاستئناس".

ويقول أيضًا في 18/22:"لا استدراك على مسلم في هذه؛ لأنه ذكر الحديث بحروفه في الطريق الأول من رواية علي بن رباح متصلًا، وإنما ذكر الثاني متابعة، وقد سبق أنه يحتمل في المتابعة ما لا يحتمل في الأصول، وقد تكرر مثل هذا في مواضع كثيرة من شرحه". انظر مثلًا في 3/89 و 6/42 و 11/140.

وإليه مال الحافظ ابن حجر، حين قال في الهدي ص246:"وقبل الخوض فيه ينبغي لكل منصف أن يعلم أن هذه الأحاديث، وإن كان أكثرها لا يقدح في أصل موضوع الكتاب فإن جميعها وارد من جهة أخرى".

ويقول في موضع آخر من الهدي: 359:"وبينت أن لا يلحق الشيخين في ذكرهما لطريق أبي خالد لوم لأن البخاري علقه بصيغة تشير إلى الوهم فيه، وأما مسلم فأخرجه مقتصرًا على إسناده دون سياق متنه".

ويقول أيضًا في ص19:"فحينئذٍ ينبغي أن يقال: جميع ما يورد فيه إما أن يكون مما ترجم به أو مما ترجم له، فالمقصود من هذا التصنيف بالذات هو الأحاديث الصحيحة المسندة، وهي التي ترجم لها. والمذكور بالعرض والتبع الآثار الموقوفة والأحاديث المعلقة، نعم والآيات المكرمة، جميع ذلك مترجم به، إلا أنها إذا اعتبرت بعضها مع بعض، منها مفسر، ومنها غير مفسر، فيكون بعضها كالمترجم له باعتبار، ولكن المقصود بالذات هو الأصل، فافهم هذا فإنه ملخص ما يندفع به اعتراض كثير عما أورده المؤلف من هذا القبيل. والله الموفق".

فالبخاري - رحمه الله - جعل في الصحيح أصولًا وهي التي لا يذكر فيها سوى الأحاديث الصحيحة، وهي أصل موضوع كتابه، غير أنه يأتي خارج الأصول بأشياء لا تستوفي شروط الصحيح على سبيل التبع والاستطراد، ولهذا قال الحافظ ابن حجر موجها ما قاله البخاري:"إنه لا يورد فيه إلا حديثًا صحيحًا":"هذا أصل موضوعه لأنه يوجد في الصحيح تراجم وتعاليق، وفيها ما هو ضعيف، فكيف يصح قول البخاري أنه لا يورد فيه إلا حديثًا صحيحًا".

فهؤلاء بعض الأئمة الذين يقرون بوجود الأصول والمتابعات في الصحيحين، وأن المتابعات يجوز فيها التساهل بذكر الموقوف والمنقطع وغيره دون أن يكون مؤثرًا في موضوع الكتاب، وناقضًا لالتزاماته.

على أن العلماء عمومًا غير المحدثين المتقدمين يسمحون في مؤلفاتهم بذكر الأحاديث الضعيفة حتى الإسرائيليات والموضوعات وغيرها بعد أن اعتمدوا على ما يحتج به في الموضوع، إذا كان موافقًا له، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في هذه المناسبة (الرد على البكري ص152) :

". . . كما أنه إذا ذُكر حكم بدليل معلوم ذُكر ما يوافقه من الآثار والمراسيل وأقوال العلماء وغير ذلك لما في ذلك من الاعتضاد والمعاونة، لا لأن الواحد من ذلك يعتمد عليه في حكم شرعي، ولهذا كان العلماء متفقين على جواز الاعتضاد والترجيح بما لا يصلح أن يكون هو العمدة من الأخبار التي تكلم في بعض رواتها لسوء حفظ أو نحو ذلك وبآثار الصحابة والتابعين، بل بأقوال المشايخ والإسرائيليات، والمنامات مما يصلح للاعتضاد، فما يصلح للاعتضاد نوع وما يصلح للاعتماد نوع".

وبعد أن تبين لنا أن صحيح الإمام مسلم يضم أصولًا ومتابعات، كما هو شأن صحيح الإمام البخاري، وأن القضايا العلمية التي لا تتناسب مع طبيعة موضوع الصحيحين إنما يتطرق لها كل منهما في قسم المتابعات يعني خارج الأصول، ومن جملة تلك القضايا شرح العلل، وبذلك تزول جميع الشبهات التي أثارها الأستاذ الفاضل حول موقفنا المستمد من نص الإمام مسلم وواقع عمله في الصحيح، والمتمثل في قولنا بأنه يرتب أحاديثه فيه حسب القوة والسلامة في معظم أبواب كتابه الصحيح، وأنه أحيانًا يشرح العلل على سبيل التبع والاستطراد.

ولا تختلف مهمة شرح العلل على النحو الذي فصلناه عن الآثار الموقوفة والأحاديث المنقطعة التي تذكر في الصحيحين على سبيل العرض، فإنها جميعًا لا تتناسب مع موضوعهما، وإن لم يكن حرج أو تناقض في ذكر هذه الموقوفات والمنقطعات في كتابٍ موضوعه"الأحاديث الصحيحة المسندة"لورودها خارج الأصول لأغراض ثانوية فلا حرج كذلك في شرح العلل على ذلك الوجه.

إن كتب العلل - وإن كان موضوعها الأحاديث المعلولة - فإن الأحاديث الصحيحة تذكر فيها بشكل مكثف تأكيدًا بصحتها وخطأ تلك الأحاديث المعلولة، ومع ذلك فكتب العلل تظل في مسمياتها، لأن الأحاديث الصحيحة إنما تذكر فيها لغرض ثانوي، وكذلك كتب الصحاح وغيرها فإن تطرقها لبعض القضايا العلمية التي لا تتناسب مع طبيعة موضوعها لا يشكل خللًا في مدى التزام أصحابها بشروطها المعلنة، لكون ذلك على سبيل الاستطراد ولأغراض جانبية.

ثانيًا: أن الإمام مسلمًا قسم الأحاديث المرفوعة ثلاثة أقسام وثلاث طبقات من الرواة - يعني بذلك أنه يختار أولًا من جملة الأحاديث المسندة ما ثبت لديه وصح، كما يختار من جملة ما صح من الأحاديث ما رواه الثقات المعروفون، أو ما يعده أسلم وأصح، فيقدمه في الباب، ويجعله أصلًا في الموضوع، ثم يتبعه بما هو دونه صحة.

فلم يكن الإمام مسلم - رحمه الله - ممن يسوق الأحاديث من دون تمييز بين ما صح منها وما لم يصح، كما أنه لم يكن ممن يذكر الأحاديث الصحيحة دون ترتيبها حسب صحتها وقوتها، كما هو واضح من قوله:"ثم إنا إن شاء الله مبتدؤون في تخريج ما سألت، وتأليفه على شريطة سوف أذكرها لك"، مؤكدًا عليه بقوله:"فعلى نحو ما ذكرنا من الوجوه نؤلف ما سألت من الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم".

ومن تلك الوجوه: أنه يتوخى أن يقدم أسلم وأصح، ثم يتبعه بما هو دونه سلامة وصحة.

ولهذا قال الإمام ابن الصلاح:"وذلك بأن يذكر الحديث أولًا بإسناد نظيف رجاله ثقات، ويجعله أصلًا، ثم يتبع ذلك بإسناد آخر. . ." (صيانة صحيح مسلم ص195) .

ثالثًا: أن الإمام مسلمًا يشرح العلل في مواضع من الكتاب على سبيل الاستطراد وتبعًا للموضوع، وليس مقصودًا بذاته، فقد قال مسلم:"وسنزيد - إن شاء الله تعالى - شرحًا وإيضاحًا في مواضع من الكتاب عند ذكر الأخبار المعللة إذا أتينا عليها في الأماكن التي يليق بها الشرح والإيضاح، إن شاء الله تعالى".

والمقصود بالكتاب الذي ورد ذكره في النص هو كتابه الصحيح، لأنه هو المعهود من سياق الكلام الذي بصدد بيان منهجه فيه، وإذا ثبت أنه - رحمه الله - يشرح العلل في بعض مواضع من الصحيح على سبيل الاستطراد بنص كلامه السابق فماذا يعني بالعلل في قوله:"عند ذكر الأخبار المعللة"؟ هذا ما سأبينه في الفقرات التالية.

إن العلل التي يتولى الإمام مسلم شرحها في مواضع من الصحيح هي على اصطلاحها المعروف عند المحدثين النقاد دون غيرهم من متأخري علماء الأصول والفقه، وهي عندهم عبارة عن خطأ الراوي سواء كان ثقة أم ضعيفًا، وهذا المعنى هو الذي يقتنع به كل من يتتبع كتبهم في العلل ونصوصهم في مجال النقد كما يدل عليه سياق كلام الإمام مسلم الذي بصدد شرح المنكر وعلامته وما يخص بالزيادة والمخالفة، والذي أنهى شرحه بقوله:"وسنزيد إن شاء الله شرحًا وإيضاحًا في مواضع من الكتاب عند ذكر الأخبار المعللة. . ."، وهذا السياق أوضح دليل على أن المقصود بالعلل التي تولى شرحها في مواضع من الكتاب هو خطأ الراوي ووهمه في الرواية، سواء أطلق عليه المنكر أو الزيادة أو العلة.

وكلمة (العلة) كبقية المصطلحات ينبغي أن تفسر وتؤوَّل وفق المنهج المعروف لدى قائليها، لا سيما إذا فهم المعنى من سياق كلامهم، ولا ينبغي تأويلها على منهج غير معهود لدى القائلين بها، وإلا فإن ذلك يؤدي إلى شبهات وتناقضات أكثر تعقيدًا حول تلك المصطلحات ومضامينها. والإمام مسلم استعمل كلمة (العلة) وأراد بها ما هو معروف لدى المتقدمين، ألا وهو الخطأ والوهم في الرواية.

وأما الحافظ أبو يعلي الخليلي فقد قسم (العلة) إلى قادحة وغير قادحة، وكان - رحمه الله - يمثل للثانية كأن يروي الثقات حديثًا مرسلًا وينفرد به ثقة مسندًا فالمسند صحيح وحجة ولا تضره علة الإرسال (3) ، وذلك بناءً على بعض المعطيات العلمية الواقعية، كأن يروي الشيخ حديثًا فيسنده، وإذا طرأ له أدنى شك حول ذلك الحديث الذي أسنده فإنه يحتاط في المرة الثانية ويرويه متحفظًا بإسقاط ذلك الذي وقع له فيه شيء من الشك أو أدنى تردد، وذلك من عادات كبار الثقات، كالإمام مالك وأيوب وحماد بن زيد، ونصوص الإمام الشافعي في ذلك مشهورة، ومن ثم يقع الحديث متصلًا عند البعض من أصحابهم ومرسلًا عند الآخر، وكذلك الأمر إذا أعاد الشيخ حديثه في المجلس، إذ يشعر المحدثون بضيق شديد في حالة ما إذا ألح عليهم إعادة حديث في مجالسهم، ويدفعهم ذلك الشعور إلى اختصار ما يعيده ونقصه، إما في السند وإما في المتن، وبالتالي يكون الحديث الذي أعاده في المجلس ناقصًا.

وعن قتادة: إعادة الحديث في المجلس يذهب بنوره، وما قلت لمحدث قط أعد علي، وما سمعت أذناي شيئًا قط إلا وعاه قلبي (4) .

(1) مقدمة ابن الصلاح ، ص: 16-17 .

(2) في شرحه على صحيح مسلم 11/112 .

(3) الإرشاد للحافظ العلائي 1/187 .

(4) تهذيب الكمال للحافظ المزي 23/512 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت