فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 57

ورتبها ترتيبًا علميًا إذ قدم حديث منصور وثنى بحديث الأعمش، وثلث بحديث حماد بن سلمة.

فإذا قارنا بين حديث إبراهيم عن عبيدة، عن ابن مسعود وبين حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، عن ابن مسعود نتبين أن حديث إبراهيم أصح من حديث حماد بن سلمة لأنه مسلسل بالفقهاء المحدثين الكوفيين، واشتهر برواية منصور والأعمش، وهما أوثق الناس في إبراهيم، وأين هذا في رواية حماد بن سلمة؟

ثم إنه قدم حديث منصور على حديث الأعمش لأن الأول أوثق وأثبت من الثاني بالنسبة إلى إبراهيم، ثم إنه تسلسل بالكوفيين حتى سمعه مسلم من شيخه عثمان بن أبي شيبة الكوفي، ومن إسحاق بن إبراهيم المروزي مما يدل على أن حديث منصور معروف لدى أهل بلده وغيرهم.

وأما حديث الأعمش فقد سمعه مسلم من الكوفيَّيْن، وهما أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب، وأما حديث حماد بن سلمة فهو وإن كان من الدرجة الأولى لم يكن إسناده مسلسلًا بالكوفيين كما في حديث منصور والأعمش، فإنه كوفي ثم بصري ثم كوفي.

ولا شك أن الحديث صحيح وثابت من طريق منصور والأعمش وحماد بن سلمة، لكن بينها تفاضل حسب الخصائص الإسنادية كما رأينا، ومن هنا أصبح حديث منصور أصح وأسلم في هذا الباب عند الإمام مسلم، والله أعلم.

وأما حديث أبي سعيد الخدري فلم يشتهر شهرة حديث ابن مسعود مع أن إسناده مدني ثم خراساني ثم كوفي، وحديث المغيرة بن شعبة ثلَّث مسلم به لأنه وقع بين أصحاب ابن عيينة خلاف في وقفه ورفعه، وأراد مسلم بيانه، وقد بينه الدارقطني في التتبع بكل ما ذكره مسلم هنا من الوجوه.

وأخرجه الترمذي ثم أشار إلى هذا الاختلاف، إذ قال:"هذا حديث حسن صحيح، روى بعضهم هذا الحديث عن الشعبي عن المغيرة ولم يرفعه، والمرفوع أصح".

ويقول الدارقطني في التتبع ص: 217 - 218:"وأخرج مسلم حديث ابن عيينة عن مُطرِّف وابن ابجر، عن الشعبي، عن المغيرة، موقوفًا في صفة أهل الجنة، وقد اختلف على ابن عيينة فقيل عنه رفعه أحدهما، ومنهم من قال عنه رواية، ومنهم من وقفه، ورواه الأشجعي عن ابن أبجر موقوفًا".

فظاهر أن حديث المغيرة ليس في درجة حديث عبد الله بن مسعود وحديث أبي سعيد، وقد ذكره مسلم في آخر الباب لبيان الخلاف الذي وقع في رواية ابن عيينة، فهل بعد هذا جودة في الترتيب والتنسيق أيها القارىء الكريم؟

وأما الباب الثاني - هو باب"خروج عصاة المؤمنين بعد رفع الذنوب عنهم"، ففيه حديثان:

حديث أبي ذر.

وحديث جابر.

فحديث أبي ذر صدر به الإمام مسلم الباب لما فيه من الخصائص الإسنادية ما يجعله أصح من حديث جابر.

ذلك أن حديث أبي ذر تسلسل بالكوفيين، وله طرق ذكرها مسلم مرتبًا لها، وهي كلها تدور على الأعمش عن المَعْرور بن سويد، عن أبي ذر، ثم اشتهر عن الأعمش برواية أصحابه الثقات من الكوفيين إذ رواه عنه عبد الله بن نمير وأبو معاوية ووكيع، ثم رواه عنهم الكوفيون أيضًا، فتسلسل الإسناد بالكوفيين.

ورتب الإمام مسلم هذه الروايات أيضًا، إذ قدم رواية ابن نمير على رواية وكيع وأبي معاوية لأن الأولى تناقلها أفراد أسرة واحدة.

ثم أورد حديث جابر من عدة طرق، وهي طريق أبي الزبير وطريق عمرو بن دينار وطريق يزيد الفقير، أبو الزبير وعمرو بن دينار مكيان، ويزيد الفقير كوفي.

فقد رواية المكِّيِّين - وهما أبو الزبير وعمرو بن دينار - على رواية الكوفي - وهو يزيد الفقير -، ولما صرح أبو الزبير سماعه من جابر، وكان سياقه أتم فقدم رواية ذات السياق الأتم، وأتبعها برواية عمرو بن دينار مستدلًا على أنه حديث مرفوع إذ لم يصرح أبو الزبير برفعه، وحديث عمرو بن دينار مختصر من حديث أبي الزبير.

يقول القاضي عياض - رحمه الله:"ثم إن هذا الحديث جاء كله من كلام جابر موقوفًا عليه، وليس هذا من شرط مسلم، إذ ليس فيه ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما ذكره مسلم وأدخله في المسند لأنه روى مسندًا من غير هذا الطريق، فذكر ابن أبي خثيمة، عن ابن جريج برفعه بعد قوله:"يضحك"قال:"سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: فينطلق بهم"."

"وقد نبه على هذا مسلم بعد هذا في حديث أبي شيبة وغيره في الشفاعة، وإخراج من يخرج من النار، وذكر إسناده وسماعه من النبي صلى الله عليه وسلم بمعنى بعض ما في الحديث والله أعلم"انتهى كلام القاضي عياض.

ومن هنا عرفنا أن حديث أبي ذر أسلم وأصح، وحديث جابر دونه، على أن حديث جابر لم يشتهر في بلد راويه - وهي مكة - بل اشتهر خارجها، حتى لم يسمعه مسلم من شيوخه المكيين بالعلو، ورواه مسلم عن غير المكيين، وكذا رواية يزيد الفقير عن جابر، فإنه يقال عنها إسناد مكي ثم كوفي ثم بصري، ولا شك أن الحديث الذي عرف في بلد صاحبه أولى من غيره.

ثم ذكر في آخر الباب حديث أنس ذلك لأن حماد بن سلمة وإن كان أوثق الناس في ثابت فإنه جمع بين شيخيه أبي عمران الجَوني وثابت، وذلك مما يستدعي التأمل فيه، إذ أن حماد بن سلمة تكلم فيه من أجل أنه يجمع بين الشيوخ ويسوق أحاديثهم بسياق واحد دون أن ينبه ما بينهم من خلاف، وقد أشرت إلى ذلك فيما سبق، فبهذا عرفنا أن حديث حماد بن سلمة ليس في مستوى حديث أبي ذر ولا حديث جابر من الصحة بل دونهما، والله أعلم.

وأما الباب الثالث - وهو باب الشفاعة - ففيه حديث أنس وحديث أبي هريرة من طرق عديدة، ورتبها الإمام مسلم ترتيبًا رائعًا حسب الخصائص الإسنادية. فإذا قارنا بينه وبين حديث أبي هريرة نجد أن حديث أنس اشتهر برواية قتادة عنه، إذ روى عن قتادة أصحابه المعروفون الذين يقال فيهم: هم أثبت الناس في قتادة، كأبي عوانة وسعيد وهشام الدستوائي، ثم إن قتادة تابعه فيه معبد بن هلال العنزي.

فذكر مسلم هنا طريق قتادة عن أنس أولًا، وطريق معبد بن هلال العنزي ثانيًا؛ لأن قتادة أجلُّ من معبد، ثم إن رواية قتادة اشتهرت برواية أصحابه الثقات المعروفين، ولم يكن كذلك حديث أبي هريرة.

ورتب أيضًا بين طرق قتادة إذ ذكر مسلم طريق أبي عوانة أولًا، وطريق سعيد وهشام ثانيًا لأنه عال، بين مسلم وقتادة راويان فقط، أما حديث سعيد وهشام فهما نازلان إذ توسط بينهما ثلاثة رواة، رغم كونهما بصريا الإسناد.

ثم ذكر ثانيًا حديث أبي هريرة من طريقين، وهما طريق أبي زرعة وطريق أبي حازم، فقد حديث أبي زرعة لأن له طرقًا متعددة فقد رواه عن أبي حازم أبو حيان وعمارة بن القعقاء، وحديث أبي حازم لم يتعدد فإنه رواه عنه أبو مالك الأشجعي، وعنه محمد بن فضيل.

فقدم حديث أبي حيان عن أبي زرعة على حديث عمارة بن القعقاء لأن الأول إسناد كوفي سمعه الإمام مسلم من شيوخه الكوفيين وأما الثاني فهو كوفي ثم بغدادي. فالإمام مسلم كان يرتب الأحاديث في هذه الأبواب ترتيبًا علميًا رائعًا الذي أوهم الأستاذ الفاضل القارىء بأنها غير مرتبة بعد أن خلط بين هذه الأحاديث، فأتى من وسط الباب الأول جملة من الأحاديث مضمومة إلى جملة من الأحاديث التي في باب الشفاعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت