قوله:‹‹ وتحلل بعمرة فيطوف ويسعى ويحلق أو يقصر ›› وهذا قول عمر بن الخطاب رواه عن البيهقي وسنده صحيح، وهو قول ابن عمر رواه البيهقي، ورُويَ عن ابن عباس بسند ضعيف رواه الدارقطني، وعن ابن عمر مرفوعًا رواه الدارقطني ولا يصح، وقد نص الإمام أحمد أنه يجعل إحرامه بعمرة ويأتي بأفعال العمرة، وقال آخرون من العلماء لا يصير إحرامه بعمرة بل يتحلل بطواف وسعي وحلق، وهذا مذهب الشافعي وقد قال ابن قدامه في المغني:"ويحتمل أن من قال يجعل إحرامه عمرة أراد به يفعل ما فعل المعتمر وهو الطواف والسعي ولا يكون بين القولين خلاف"، والقول بالتحلل بالعمرة قول قوي ويجاب عن قول من قال يتحلل بطواف وسعي وحلق أو تقصير بأنه لا يمنع أن يكون مقصودهم العمرة لأن هذه الأفعال أفعال عمرة ولا يصح فعلها إلا بنية العمرة ولأن قلب نية الحج إلى عمرة بالفوات أو الحصر جائز بلا إشكال.
قوله:‹‹ إن لم يختر البقاء على إحرامه ليحج من قابل ›› وقد جاء نحو هذا في المبدع وفي نظري أن استدامة الإحرام إلى عام قابل ليحج عمل مفضول، وقد يحرم إذا ألحق الضرر بنفسه أو غيره كالمتزوج فإنه حينئذٍ يمتنع من الوطء وهذا ضرر على المرأة، وقد قال مالك في رواية والشافعي وأهل الرأي ليس له استدامة الإحرام لظاهر المنقول عن الصحابة ولأن إحرام الحج يصير في غير أشهره فصار بمنزلة الذي يؤدي العبادة قبل الوقت المشروع.
قوله:‹‹ ويقضي الحج الفائت ›› أي ويلزمه قضاء الفائت من قابل، فإن كان فرضًا فهذا بالإجماع لأن ذمته لم تبرأ منه وحجة الإسلام ركن يجب أداؤها ما قدر واستطاع إلى ذلك سبيلًا، وإن كان الفائت تطوعًا فيجب القضاء من قابل عند الجمهور لأن الله يقول:‹‹ وأتموا الحج والعمرة لله فان أحصرتم فما استيسر من الهدى ›› فأوجب الله تعالى الإتمام على كل أحد إلا المحصر وحَجَّةُ الفوت لا تتم إلا بالقضاء فوجب عليه ذلك، وهذا ظاهر المنقول عن الصحابة كعمر وابنه وزيد وغيرهم وقد كانت هذه فتاوى الصحابة في عصرهم ولم ينكر ذلك أحد، وقد أجيب عن هذا بقول ابن عباس أنه قال:"إنما البدل على من نقض حجه بالتلذذ فأما من حبسه عذر أو غير ذلك فإنه يحل ولا يرجع"رواه البخاري في صحيحه معلقًا، وهذا أحد القولين في مذهب أحمد.
وقد يجاب عن قول ابن عباس بأنه في المحصر دون الفوات وجه ذلك أن يقال: من فاته الحج بمنزله من أخر العبادة الواجبة عليه عن وقتها فلزمه قضاؤها كما لو فوت الصلاة عن وقتها المعين وأما المحصر فإنه لم يجب عليه إتمام الحج أو العمرة فيجوز له الخروج من الإحرام قبل الوقت، ويقال أيضًا بأن أكابر الصحابة على خلاف قول ابن عباس.