قوله:‹‹ فيصلي الظهر يوم النحر بمنى ›› وذلك لما رواه مسلم في صحيحه من طريق عبد الرزاق أخبرنا عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما:"أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى"، وقد جاء في حديث جابر رضي الله عنه الذي عُنيَ بصفة حج النبي - صلى الله عليه وسلم - من أولها إلى آخرها:"أنه صلى الظهر بمكة"رواه مسلم في صحيحه، وقد اختلف العلماء في الترجيح بين هذيين القولين فذهب أبو محمد بن حزم إلى ترجيح حديث جابر رضي الله عنه، لأنه جاء ما يشهد له في حديث عائشة رضي الله عنها رواه أبو داود، ولأن رواية اثنين تقدم على رواية واحد، ولأن جابرًا رضي الله عنه أضبط من غيره بصفة حج النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى ضبط أمورًا لا تتعلق بمناسك الحج، فمن ضبط هذا القدر فهو بضبط مكان صلاته يوم النحر أولى، وقال آخرون من فقهاء الحنابلة والشافعية وغيرهم بأنه - صلى الله عليه وسلم - صلى الظهر بمنى، لأنه لو صلى بمكة لكان خلفه بعض أهل البلد وهم مقيمون وكان يأمرهم أن يتموا صلاتهم ولم ينقل أنهم قاموا فأتموا بعد سلامه صلاتهم وحيث لم ينقل هذا ولا ذاك عُلم أنه لم يصلي حينئذٍ بمكة، وقال النووي في المجموع:"الظاهر أنه - صلى الله عليه وسلم - أفاض قبل الزوال وطاف وصلى الظهر بمكة في أول وقتها ثم رجع إلى منى فصلى بها الظهر مرة أخرى إمامًا لأصحابه".
قوله:‹‹ ويبيت بمنى ثلاث ليال إن لم يتعجل وليلتين إن تعجل في يومين ›› والمبيت بمنى واجب في قول أكثر العلماء، ويحصل بمعظم الليل لمن وجد مكانًا يليق بمثله، فقد جاء في البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما:"أن العباس رضي الله عنه استأذن النبي - صلى الله عليه وسلم - ليبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته فأذن له"، فاستئذان العباس دليل على أنهم كانوا ممنوعين من المبيت بمكة وأن المبيت بمنى متعين، وقد يقال بأن استئذان العباس من باب استئذان المأمور من أميره فلا يكون في الحديث دلالة قوية على وجوب المبيت بمنى، وقد روى الإمام أحمد وأهل السنن بسند قوي عن عاصم بن عدي:"أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رخص لرعاء الإبل في البيتوتة أي خارج منى يرمون يوم النحر ثم يرمون الغد من بعد الغد ليومين ويرمون يوم النفر"، وهذا فيه دلالة على وجوب المبيت بمنى لأن الرخصة مقابلها العزيمة، ولأنه لو لم يكن المبيت بمنى واجبًا لما كان لترخيص النبي - صلى الله عليه وسلم - للرعاة كبير معنى لأن حكمهم يكون كحكم غيرهم، وقد روى مالك في الموطأ بسند صحيح عن نافع عن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:"لا يبيتن أحد من الحاج ليالي منى من وراء العقبة"، وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد في رواية، وذهب أحمد في رواية عنه والشافعي في قول: إلى أن المبيت بمنى ليالي منى سنة وليس بواجب، وهذا مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما وبه قال أبو حنيفة مع الكراهة، وقال الإمام أبو محمد بن حزم:"وبات عليه السلام بمنى ولم يأمر بالمبيت بها فالمبيت بها سنة وليس فرضًا لأن الفرض إنما هو أمره - صلى الله عليه وسلم - فقط"، والذي يصح في نظري القول بالإيجاب استنباطًا