قال المؤلف رحمه الله:‹‹ فمن كملت له الشروط وجب عليه السعي على الفور ويأثم إن أخره بلا عذر لقوله - صلى الله عليه وسلم:"تعجلوا إلى الحج - يعني الفريضة - فإن أحدكم لا يدري ماذا يعرض له"رواه أحمد ›› وهذا الحديث رواه أحمد، وابن ماجة، وفي إسناده إسماعيل بن خليفة العبسي، وهو سيئ الحفظ، وقد رواه أيضًا أبو داود وأحمد من طريق أبي صفوان عن ابن عباس، وصححه الحاكم، وأبو صفوان قال عنه أبو زرعه:"لا أعرفه".
وقد اختلف الأئمة في الحج هل هو على الفور أم على التراخي؟؟ في ذلك قولان لأهل العلم:
القول الأول: أن الحج على الفور، وهذا مذهب الإمام أحمد رحمه الله، لأن التراخي ليس له مدة يمكن ضبطها، وإلى متى التراخي، ولأنه فرض، فإذا توفرت شروط الوجوب والإجزاء وجب عليه السعي إلى ذلك، امتثالًا لأمر الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كما تقدم في حديث أبي هريرة رضي الله عنه:‹‹ إن الله قد فرض عليكم الحج فحجوا ››، فهذا أمر والأمر للإيجاب - وهذا لا إشكال فيه - وهو على الفور ما لم يثبت دليل يخالف ذلك، وبهذا قال أيضًا جماعة من أهل العلم، منهم الإمام أبو حنيفة، وهو قول في الفقه الشافعي، وذكره شيخ الإسلام رحمه الله عن أكثر أهل العلم.
القول الثاني: أن الحج على التراخي، ولو كان قادرًا على الحج، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - حج في السنة العاشرة وقد فرض الحج في السنة التاسعة؛ يجاب عن هذا فيقال: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يحج لعذر، حتى تطهر البيت من الشرك والمشركين، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - حين بعث أبا بكر وعليًا رضي الله عنهما أمرهما أن يبلغا الناس:"أن لا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان"، وأما الذي ملك زادًا وراحلة وعنده قدرة، فيجب عليه المبادرة.
ولأنه إذا قيل بالتراخي فما ضابط التراخي؟؟ هل إذا بلغ 16 سنة، أو 17 سنة، إلى متى التراخي هذا؟؟، فيكون فيه توسع بدون انضباطية، ولكن قد يمتنع الإنسان عن الحج لعدم وجود رفقة صالحة يحج معهم، أو عدم وجود من يعلمه ويرشده ويبين له أحكام المناسك، فهذه الأشياء قد تكون عذرًا من الأعذار، أما من وجد زاد وراحلة وتوفرت الشروط ولم يكن هناك مانع شرعي فهذا يأثم بتأخير الحج، ولأنه على القول بأنه على التراخي وقلنا بأن تارك الحج كافر - على أحد القولين فيما تقدم - فمتى يكفر؟؟!، فإذا بلغ 15 أو 16 عامًا ولم يحج، ثم مات، هل نقول أنه كافر وقد توفرت شروطه؟؟، أم نقول أنه لا يكفر؟؟، ولذلك أدلة القائلين أنه على الفور قوية، وقد نصر هذا الإمام أبو محمد ابن حزم رحمه الله.