وتطالعنا السخرية والاستهزاء من هؤلاء الذين كانوا يسمعون آيات الله تتلى -كما سبق أن عرفنا [1] - يزعمون أن في مقدورهم أن يأتوا بمثلها لو شاءوا، مع وصف هذا القرآن الكريم بأنه أساطير الأولين: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إلَّا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ (31) } (الأنفال) !
وذكر ابن كثير أن القائل هو النضر بن الحارث، لعنه الله [2] ، كما قد نصّ على ذلك سعيد بن جبير، والسدي، وابن جريج، وغيرهم، فإنه لعنه الله كان قد ذهب إلى بلاد فارس، وتعلّم من أخبار ملوكهم (رستم) و (اسفنديار) ، ولما قدم وجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد بعثه الله، وهو يتلو على الناس القرآن، فكان - صلى الله عليه وسلم - إذا قام من مجلس جلس فيه النضر، فحدّثهم من أخبار أولئك، ثم يقول: بالله! أيّنا أحسن قصصًا، أنا أو محمد؟
ولهذا لمَّا أمكن الله تعالى منه يوم بدر، ووقع في الأسارى، أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تضرب رقبته صبرًا بين يديه، ففعل ذلك، ولله الحمد!
وكان الذي أسره -كما سيأتي- المقداد بن الأسود رضي الله عنه!
وتكررت في القرآن الكريم حكايته قول المشركين عن القرآن: إنه أساطير الأولين!
وما كان هذا القول إلا حلقة من سلسلة المناورات التي كانوا يحاولون أن
(1) وانظر أيضًا: ابن هشام: 1: 389 وما بعدها، والبيهقي:"الدلائل": 2: 706207، وسبل الهدى والرشاد: 2: 470.
(2) تفسير ابن كثير: 2: 304.