هذا، وكم ناشد القرآن الحكيم واجد المال أن يبذله .. ! وكم ناشد فاقد المال أن يسعى إليه ويحصله!
غير أن لبذل المال أساليب شتى، ولكسب المال طرائق متنوّعة .. وليس كل بذلك خليقًا بالحمد، ولا كل سعي جديرًا بالشكر، قرّب عطاء، خير منه الحرمان، وربّ قاعد عن طلب المال خير من ساع إليه!
نعم، إن في البذل تطهيرًا للنفس من رذيلة البخل، وإن في الكسب ترفعًا بالكرامة عن ذل الحاجة، ولكن شيئًا من ذلك لن يكون طهرًا وشرفًا حقًّا، إلا إذا كان طهور المادة شريف الأداة، حتى لا يكون غسلًا للنجس بالنجس ومحوًا للسيّئة بسيئة مثلها، أو بما هو أسوأ منها!
لا جرم، كان للكسب قوانينه وآدابه، وكان للبذل قوانينه وآدابه!
وهي توجيهات تتناول الكسب من جهات ثلاث:
من جهة وسيلته، ومن جهة غايته، ومن جهة أسلوبه وطريقته!
والمرء إذا شغفه حبّ المال، قد يندفع إلى التماسه من كل طريق، اغتنامًا لكل ريح هبّت، واقتناصًا لكل فرصة أقبلتْ، لا يستشير عقله في مقاييس النفع والضرّ، ولا يستغني قلبه في معايير الخير والشر، بل يخبط في سعيه خبط عشواء، فتراه يجمع من المال ما قلّ أو كثر، دون أن يوازن بين الجهد الذي يبذله والربح الذي يحصله، وتراه يقتحم في سبيل ذلك من المخاطر ما خفي وظهر، لا يبالي ما يصيبه منها في يومه أو غده القريب والبعيد!