قلت: لعل هذه الرواية ومثيلاتها، هي التي قصدها الحافظ ابن حجر بقوله: جاء مصرحًا به في عدة طرق، بيد أنه قال: وأبطله ابن العربي وحق أن يبطل!
وهذا البغض -كما أسلفنا- كان واقعًا راسخًا في خلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، مركوزًا في فطرته التي فطره الله عليها، وفي التكامل المحمدي منذ طفولته إلى بدء نزول الوحي!
بيد أن البغض في تلك الرواية جاوز موضعه من فطرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [1] ، واتخذ وضعًا مريبًا واهنًا في لحظة تاريخيّة من حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم -!
وكيف والرواية نفسها يصيح فيها ملك الوحي جبريل (يا محمد، أنا جبريل، يا محمد، أنا جبريل) ؟!
وإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يبغض الكهّان والكهانة بغضه للأصنام، وهو بغض لم يبغضه شيئًا قط، وهذا واقعه - صلى الله عليه وسلم - في حياته، فكيف يخشى على نفسه في هذه اللحظة التاريخيّة من حياته أن يكون كاهنًا؟!
فضلًا عن أن هذه الرواية بهذا السند قد خالفت الرواية التي معنا، وقد رواها الشيخان وغيرهما -كما سبق- حيث فسرت الخشية بالكهانة، وفي الوقت ذاته ذكرت بغضه - صلى الله عليه وسلم - للأصنام والكهان!
ولو وقف الحافظ ابن حجر عند نقده لهذا القول، وتأييده لقول أبي بكر ابن العربي في قطع الحكم ببطلانه، لكان الأمر لا يحتاج إلى نظر جديد، بيد أنه
(1) محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم: 1: 378 بتصرف.