ولم يكن من المعهود في حياة الناس [1] ، ولا سيما الذين أوتوا عقولًا لمّاحة، وقلوبًا يقظة واعية، وأرواحًا مشرقة مضيئة، أن تمر بهم أحداث في طريقهم -وهم بعيدون عن الجو الطبيعي والاجتماعي الذي عاشوا في جنباته- ولا يكون لهذه الأحداث أثر في أنفسهم، خصوصًا إذا كانت الأحداث تمسّهم من قريب أو بعيد، فلابد أن سفر الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى الشام كان ذا أثر في نفسه، فهو قد رأى قومًا غير قومه، وعادات غير عاداتهم، وتفكيرًا غير تفكيرهم، وعقائد غير عقائدهم، ومتعبّدات غير متعبّداتهم، وأخلاقًا غير أخلاقهم، ومعيشة غير معيشتهم، وجوًّا غير جوّهم، وبلادًا غير بلدهم، وجرت أحاديث وأحداث كان هو محورها وقطبَ دائرتها!
وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - من الذكاء والفطانة، ولقانة القلب، ولطف الخُلق، وإشراق الروح، وضياء العقل، وثُقُوب الذهن، ورجاحة التفكير، بالمكان الأرفع، فلا يمكن أن تمر هذه الصور ثم لا تترك أثرًا في نفسه يرجع به إلى بلده، ويأخذ حيّزًا من حياته وتفكيره .. ولكنه الأثر الذي تتسع له حياة طفل في هذه السن، نشأ نشأة صقلها اليتم -كما أسلفنا- وهذّبها كرم النحيزة، وشرف الأصل، وطهارة الأعراق، وعزة المنبت، مع رعاية الله وحفظه عن التدنس بدنس البيئة الجاهلية وأوضارها!
وعاد الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى مكة من رحلته، وقد علم ما تحدّث به الرهبان عنه، مما دعا عمه إلى الإسراع به خوفًا عليه من غوائل اليهود!
(1) محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم: 1: 175 - 176 بتصرف.