فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 113

الموازنة بين المتقدمين والمتأخرين

... من خلال الموازنة بين الموقفين المذكورين يتجلى بوضوح أن النقاد المتقدمين أعلوا حديث سفيان عن عاصم عن عبد الرحمن بن الأسود عن علقمة عن ابن مسعود ، لكونه قد تضمن كلمة"ثم لم يعد"أو كلمة"لم يرفع يديه إلا في أول مرة"التي تعد غريبة في حديث عاصم ، إذ لم يذكرها أحد من أصحابه ، لا سيما ابن إدريس ، وهو صاحب كتاب ، بل جعلوا حديثه في موضع أخر ،وهو تطبيق اليدين في الركوع ، وهكذا رواه أبو إسحاق عن عبد الرحمن بن الأسود ، وإبراهيم النخعي عن علقمة ، كما سبق بيان ذلك في مستهل المثال .

... وتبين بذلك أن كلمة"لم يرفع يديه إلا في أول مرة"تفرد بها سفيان حين أضافها في حديث عاصم ،وهي معروفة في أصل حديثه الذي رواه عنه ابن إدريس وغيره من الثقات ، ولا في حديث شيخه: عبد الرحمن بن الأسود ، إذ اشتهر حديثه بدونها من طريق بن أبي إسحاق عنه ، ولا في حديث شيخ شيخه: علقمة ، حيث رواه عنه إبراهيم النخعي بدون هذه الزيادة ،وأنهم جعلوا جميعًا هذا الحديث في موضوع التطبيق وغيره ، فكيف يكون عند سفيان ما ليس عند السابقين ؟ ومعنى ذلك أن سفيان اختصر هذا الحديث الذي عند عاصم ، وساق لفظه حسب ما فهم ، بدل أن يرويه بسياقه المفصل ، ولهذا قال الإمام أبو داود:"هذا حديث مختصر من حديث طويل ،وليس هو بصحيح على هذا اللفظ". وهذا طبعًا حسب شعور النقاد ،وإن لم يكن لدينا هذا الشعور العلمي فإن الأمر في مثل هذا المجال النقدي ينبغي تسليمه لهم دون نقاش ؛ لكونه قائمًا على حفظهم وفهمهم ومعرفتهم .

... بيد أن بعض المتأخرين صححوا تلك اللفظة بحجة كون راويها ثقة ، الأمر الذي يؤكد ما تقدم بيانه في القسم الأول من هذا الكتاب من وجود تباين منهجي بين نقاد الحديث وبين غيرهم في التصحيح والتضعيف ،وأنه لا ينبغي الخلط بينهم في ذلك ، بل يجب الرجوع في هذا المجال النقدي إلى منهج المحدثين الأوائل .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت