في ترجيح نسخة سنن ابن ماجه
... وأما قول صاحب عون المعبود من أن الاعتماد في ذلك الباب على نسخة صحيحة مقروءة على الحفاظ كما قاله الأمير اليماني فقول بعيد عن التحقيق لا سيما في هذه الأعصار المتأجرة ، لأن الناس قد توسعوا منذ زمن بعيد في السماع والقراءة ، فقد قال البيهقي وهو يحكي حال بعض المحدثين في زمنة:"توسع من توسع في السماع من بعض محدثي زماننا الذين لا يحفظون حديثهم ولا يحسنون قراءة كتبهم ولا يعرفون ما يقرأ عليهم بعد أن تكون القراءة عليهم من أصل سماعهم" (1) .
... وقال الذهبي:"فليس طلب الحديث اليوم على الوضع المتعارف عند من حيز الطلب ، بل اصطلاح وطلب أسانيد عالية ، وأخذ عن شيخ لا يعي ، وتسميع لطفل يلعب ولا يفهم ، أو لرضيع يبكي ، أو لفقيه يتحدث مع حدث ، أو أخر ينسخ ، وفاضلهم مشغول عن الحديث بكتابة الأسماء أو بالنعاس ، والقارئ إن كان له مشاركة فليس عنده من الفضيلة أكثر من قراءة ما في الجزء ، سواء تصحف عليه الاسم ، أو اختلط المتن ، أو كان من الموضوعات ، فالعلم عن هؤلاء بمعزل ، والعمل لا أكاد أراه ، بل أرى أمورًا سيئة ، نسأل الله العفو" (2) .
... ونقل الذهبي عن ابن حيويه أنه قال:"جئت إلى شيخ عنده الموطأ ، فكان يُقرأ عليه وهو يتحدث ، فلما فرغ قلت: أيها الشيخ يقرأ عليك وأنت تتحدث ، فقال: قد كنت أٍسمع ، قال: فلم أعد إليه"ثم علق الذهبي على ذلك بقوله:"قلت: كذا شيوخ الحديث اليوم إن لم ينعسوا تحدثوا ، وإن عوتبوا قالوا قد كنا نسمع ، وهذه مكابرة" (3) .
... ونقل الذهبي أيضًا:"وقد تسمح الناس في هذه الأعصار بالإسراع المذموم الذي يخفي معه بعض الألفاظ ، والسماع هكذا لا ميزة له على الإجازة ، بل الإجازة صدق ، وقولك: سمعت ، أو قرأت هذا الجزء كله ، مع التمتمة ودمج بعض الكلمات كذب .. وكان الحفاظ يعقدون مجالس للإملاء وهذا قد عُدم اليوم ، والسماع بالإملاء يكون محققًا ببيان الألفاظ للمسمع والسامع" (4) .
... هكذا هو حال الرواية في زمن البيهقي وزمن الذهبي ، فما ظنك بحال الرواية في زمن الصنعاني ، أيقال بعد ذلك بترجيح لفظة شاذة ليست في كل النسخ بحجة أن النسخة التي وجدت فيها تلك اللفظة نسخة صحيحة مقروءة كما يقول الصنعاني ، ولم يكتف بذلك صاحب عون المعبود حتى زاد ، فجعلها نسخة صحيحة مقروءة على الحفاظ ، على أن من يوصف بالحفظ في ذلك العصر ، أعنى عصر الصنعاني ، إنما يوصف بذلك لأجل كثرة ما يحصله من الإجازات والقراءة على الشيوخ ، ولا يتأتى ذلك لهم إلا بسرعة القراءة ، بل كانوا يفتخرون بذلك ، فيقول قائلهم قرأت البخاري في ثلاثة أيام ، ومسلمًا في ستة أيام ، ومعجم الطبراني الصغير بين المغرب والعشاء ، وأمثال ذلك ، بل كان هذا النوع من القراءة في زمن يذخر بالحفاظ المحققين عند أهل هذا العصر ، كالذهبي، وابن حجر ، والسيوطي ، وأضرابهم ،ولقد رأيت بنفسي في هذا العصر أناسًا يقرؤون على بعض الشيوخ قراءة لا يمكنني معها معرفة ما يقول إلا بالمتابعة في الكتاب ، ولا أكاد أدرك الموضع الذي يقرؤه ، ولذلك اشترط ابن الصلاح لمن أراد الاحتجاج بحديث ، أو العمل به من الكتب المعتمدة مراجعة أصل قد قوبل بأصول صحيحة متعددة مروية بروايات متنوعة ، ليحصل له بذلك مع شهرة هذه الكتب وبعدها على أن تقصد بالتبديل والتحريف الثقة بصحة ما أتفقت عليه تلك الأصول فجعل الثقة لا تحصل إلا بالذي اتفقت عليه تلك الأصول المتعددة (5) .
(1) انظر مقدمة ابن الصلاح ص 93-94 .
(2) سير أعلام النبلاء 7/167 .
(3) انظر سير أعلام النبلاء 16/160-161 .
(4) الموقظة ص 67 .
(5) مقدمة ابن الصلاح ص 31 .