وهذا التفسير للفظة «مُزجاةٍ» بأنه اليسيرة القليلة هو قول بعض مفسري السلف كمجاهد، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي [1] وفسرها ابن عباس بأن معناها: «رديئة زُيُوفٌ، لا تَنْفُقُ حتى يوضع منها» . [2] ولم يزد أبو عبيدة في بيان دلالته على هذا الشطر من الشاهد الشعري، وقد نقل تفسيره لها أهل اللغة. [3] وهذه التفسيرات متقاربة المعنى، وإن اختلفت الألفاظ، ولذلك قال الطبري: «وقد اختلف أهل التأويل في البيان عن تأويل ذلك، وإن كانت معاني بيانهم متقاربة» . [4] وهناك أمثلة أخرى عند أبي عبيدة. [5]
وعند ابن قتيبة في بيانه للغريب من ألفاظ القرآن، كان يكتفي في مواضع متفرقة من كتابه ببيان دلالة اللفظة بالاستشهاد عليها بشاهد من الشعر، ولا يزيد على ذلك. ومن أمثلة ذلك عنده:
1 -عند تفسير قوله تعالى: {إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ} [هود: 54] [6] قال ابن قتيبة: «أي: أَصابكَ بِخَبْلٍ. يقالُ: عَراني كذا وكذا، واعتراني: إذا أَلَمَّ بي. ومنه قيل لمن أتاكَ يطلبُ نائِلَكَ: عَارٍ. ومنه قول النابغة:
أَتيتُكَ عارِيًا خَلَقًا ثِيابي ... على خَوفٍ تُظَنُّ بيَ الظُّنُونُ [7] ». [8]
وهذا التفسير هو الذي فسر به اللفظةَ ابنُ عباس، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، وابن زيد [9] ، وهذا دليل على حرص ابن قتيبة على تفسير السلف، وهو تفسير أهل اللغة. [10]
(1) انظر: تفسير الطبري (هجر) 13/ 318 - 324.
(2) المصدر السابق 13/ 317.
(3) انظر: تهذيب اللغة 11/ 155.
(4) تفسير الطبري (هجر) 13/ 317.
(5) مجاز القرآن 1/ 318.
(6) هود 54.
(7) انظر: ديوانه 222.
(8) تفسير غريب القرآن 178.
(9) انظر: تفسير الطبري (هجر) 12/ 447 - 448.
(10) انظر: مجاز القرآن 1/ 290، معاني القرآن للفراء 2/ 19، تهذيب اللغة 3/ 158 - 159.