بِذِي فِرْقَيْنِ يومَ بنو حَبيبٍ ... نُيُوبَهُمُ علينا يَحْرُقُونا [1] ». [2]
قال الفراء: «و (لَنَحْرُقَنَّهُ) لنَبْرُدَنَّهُ بالحديد بَرْدًا، مِن حَرَقْتُ أُحْرِقُه وأَحْرِقُهُ لُغتان، وأنشدني المفضل ... » . [3] ، ثم ذكر الشاهد، وعنه نقل الطبري، والزجاج وغيرهما. [4]
ومعنى الحَرْقِ في الشاهد الشعري ليس كما ذهب إليه الطبري من أنهُ البَرْدُ بالمِبْرَدِ، وإِنَّما معناهُ مِنْ حَرَقَ البَعيْرُ نابَهُ وبنِابِهِ، إذا حَكَّهُ بغيره، قال أبو عبيد: «الحَرْقُ: حَرْقُ النَّابيْنِ أحدِهِما بالآخر، وأنشد:
أبى الضَّيمَ والنُّعمانُ يَحْرِقُ نَابَهُ ... عليهِ فأَفْضَى والسيوفُ مَعاقِلُهُ [5]
قال: وحَريقُ النَّابِ صَريفُهُ». [6] وحَرَقَ من بابِ نَصَرَ وضَرَبَ، إذا صَرفَ بنابهِ وصَوَّتَ مِنْ غيظٍ وغضبٍ كما يصرفُ الفحلُ عند غضبه. وقد ذكر الراغب أن حَرْقَ البعيرِ بِنابهِ، استُعير مِن الحَرْقِ بِمعنى البَرْدِ بالمِبْرَد. [7] فيكون استشهاد الفراء والطبري بالشاهد استشهادًا للمعنى الأصلي بالمعنى المَجازي المأخوذ منه. وقد أورد هذه اللفظة في كتب الغريب عدد من العلماء [8] .
ربما أورد المفسرون الشاهد من الشعر للاستدلال به على مُجرَّدِ
(1) انظر: ديوان الحماسة 162، شرح الحماسة للمرزوقي 2/ 575.
(2) تفسير الطبري (هجر) 16/ 155.
(3) معاني القرآن 2/ 191.
(4) انظر: معاني القرآن وإعرابه 3/ 375، الإغفال لأبي علي الفارسي 2/ 416، إعراب القرآن للنحاس 3/ 57، تهذيب اللغة 4/ 44، المحتسب لابن جني 2/ 58، لسان العرب 3/ 133 - 134 (حرق) .
(5) البيت لزهير بن أبي سلمى كما في ديوانه 143.
(6) تهذيب اللغة 4/ 44.
(7) انظر: المفردات 229، عمدة الحفاظ للسمين 1/ 456.
(8) انظر: غريب القرآن لابن قتيبة 281، غريب القرآن للرازي 346، عمدة الحفاظ للسمين 1/ 456.