وكلُّ ذلك فَاشٍ في منطقها، موجودٌ في كلامها، من ذلك قول الشاعر:
أَسْتغفرُ اللهَ ذَنْبًا لَستُ مُحْصِيَهُ ... رَبَّ العِبَادِ، إليهِ الوَجْهُ والعَمَلُ [1]
يريد: أستغفر الله لذنبٍ، كما قال جل ثناؤه: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ} [غافر: 55] [2] ، ومنه قول نابغة بني ذبيان:
فَيَصِيْدُنَا العَيْرَ المُدِلَّ بِحُضْرِهِ ... قبلَ الوَنَى والأَشْعَبَ النَّباحَا [3]
يريدُ: فيصيدُ لَنَا، وذلكَ كثيرٌ في أَشعارِهم وكلامهم، وفيما ذكرنا منه كفاية» [4] .
وفي هذا المثال كان يكفي ما ذكره الطبري من الآيات القرآنية الدالة على ما أراد من تعدية الفعلِ «هَدَى» بنفسه، وباللامِ، وبـ «إلى» ، غير أَنه عَضَدَ ما ذكره من الآيات، بِمَا وردَ في شعر العربِ على وجه الاختصارِ، والإشارة إلى كثرة ذلك في كلامهم وشعرهم على حد سواء، ولا شك أن هذا أدعى لاطمئنان القارئ وتسليمه بِحُجةِ المفسر، والاقتناع برأيه [5] .
لم يكن الطبري يغلب جانب البلاغة في تفسيره، وإنما كان أحيانًا يقف مع بلاغة بعض الآيات، ويكشف عن وجه البلاغة فيها، ويستعين في ذلك بما بين يديه من شواهد الشعر.
-من أمثلة ذلك ما جاء عند تفسيره قوله تعالى: وَسَارِعُوا إِلَى
(1) غير منسوب، وهو من أبيات الكتاب التي لم يعرف قائلها كما في الكتاب 1/ 17، خزانة الأدب 1/ 486.
(2) غافر 55.
(3) لم أجده في ديوانه، وله قصيدة على الوزن نفسه والقافية 200 ليس منها البيت.
(4) تفسير الطبري (شاكر) 1/ 169 - 170.
(5) انظر: تفسير الطبري (شاكر) 2/ 542.